أخبار
تراجع الوعي وراء تصاعد جرائم انتهاك الخصوصية

الدوحة – أشرف مصطفى:
أكَّدَ عددٌ من المُختصين في مجالات القانون وعلم النفس والتكنولوجيا والدعوة لـ[ أنَّ الانتهاكَ اليوميَّ للخصوصية أصبحَ ظاهرةً متناميةً مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. وأوضحوا أن تلك الانتهاكات لم تعد مقتصرة على الاختراقات التقنية المعقدة، بل تحوّلت إلى سلوك يمارسُه بعض الأفراد دون وعي بمخاطره أو إدراك لعواقبه القانونية والنفسية والاجتماعية.وحذَّرَ الخبراء من أنَّ الكاميرا والميكروفون في الهواتف الذكية أصبحت من أخطر أدوات انتهاك الحياة الخاصة، سواء عبر التصوير أو التسجيل أو النشر دون إذن أو مبرّر مشروع.وأشاروا إلى أنَّ الاستخدام المفرط للهواتف الذكية، مقرونًا بثقافة النشر السريع والسعي وراء التفاعل والانتشار، أدَّى إلى تراجع الوعي بحدود الخصوصية، حتى أصبح كثيرٌ من الأفراد يعتبرون انتهاك حياة الآخرين سلوكًا عاديًا، مستندين إلى ذرائع مثل: حرية الاستخدام، أو شيوع الفعل، أو ما يُعرف بـ«عمومية الأمر». غير أنَّ الخبراء شددوا على أن هذه المبررات لا تجد سندًا قانونيًا أو أخلاقيًا أو شرعيًا، وتفتح الباب لانتهاكات تمسُّ كرامة الإنسان وأمنه النفسي والاجتماعي.
وأوضحوا أن الخطر لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يمتد إلى بعض التطبيقات والمنصات الرقمية التي تستغل جهل المستخدمين بالصلاحيات التي يمنحونها عند تحميل التطبيقات، ما قد يسمح بالوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون أو البيانات الشخصية خارج نطاق الغرض المعلن. وأكدوا أنَّ الموافقة الشكلية على سياسات الخصوصية لا تُعد تفويضًا مفتوحًا، ولا تبرر أي استخدام غير مشروع للبيانات.
المحامي إبراهيم زيد آل نديلة: القانون القطري يكفل الحماية.. والعقوبات مشددة
أكَّدَ إبراهيم زيد آل نديلة- محامي تمييز- أنَّ القانون القطري ينظر إلى الخصوصية باعتبارها حقًا أصيلًا ومكفولًا لا يجوز المساس به تحت أي ظرف ويفرض عقوبات مشددة على المخالفين.
ونوَّه بأنَّ التطور التكنولوجي لم يُضعف هذا الحق، بل زاد من أهمية حمايته وتشديد العقوبات على من ينتهكه.
وأوضح آل نديلة أنَّ تصوير الأشخاص دون رضاهم أو تسجيل مكالماتهم أو محادثاتهم دون علمهم يُعد جريمة مكتملة الأركان وَفقًا لقانون العقوبات القطري وقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، حتى وإن لم يتمَّ نشرُ المحتوى. فالجريمة، بحسب القانون، تقوم بمجرد التصوير أو التسجيل، بينما يُعد النشر ظرفًا مشددًا للعقوبة وليس شرطًا لقيامها.
وأشارَ إلى أنَّ مُستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يتحملون مسؤولية قانونية كاملة عن أي إساءة استخدام للكاميرا أو الميكروفون أو نشر محتوى ينتهك خصوصية الآخرين، سواء من الناحية الجنائية أو المدنية، حيث يحق للمجني عليه المطالبة بالتعويض عن الأضرار النفسية أو الاجتماعية أو المادية التي لحقت به.
وفيما يخص الشركات والمنصات الرقمية، شدَّدَ آل نديلة على أن القانون القطري يلزمُها بعدم استخدام أو إفشاء البيانات الشخصية إلا في حدود الغرض الذي جُمعت من أجله، موضحًا أن بيع أرقام الهواتف أو بيانات المستخدمين لشركات التسويق دون موافقة صريحة ومحددة يُعد مخالفة قانونية جسيمة، حتى وإن وردت عبارات عامة أو فضفاضة ضمن سياسات الخصوصية.
وأضافَ: إنَّ الموافقات التي يمنحها المستخدمون للتطبيقات يجب أن تكون واضحة ومحددة ومتناسبة مع طبيعة الخدمة، وأي استخدام للكاميرا أو الميكروفون أو جهات الاتصال خارج هذا الإطار يُعد انتهاكًا يعاقب عليه القانون.
د. محمد العنزي: آثار نفسية عميقة وسلوكيات محــفــوفـــة بالمخـــاطــر
يرَى الدكتورُ محمد العنزي، أستاذ علم النفس، أنَّ الاستخدام المفرط مِنصات التواصل الاجتماعي أسهمَ في إضعاف مفهوم الخصوصية لدى فئات واسعة، خاصة الشباب، موضحًا أن هذه المنصات قائمة على التحفيز المستمر للنشر عبر الإعجابات والتفاعل وعدد المتابعين، ما يدفع كثيرين إلى مشاركة تفاصيل حياتهم دون تفكير عميق في العواقب. وأوضحَ د. العنزي أنَّ هذا السلوك غيّر من النظرة التقليدية للخصوصية، حيث أصبحَ النشرُ هو القاعدة، والاحتفاظ بالأمور الخاصة هو الاستثناء، مُشيرًا إلى أنَّ غيابَ الوعي لا يقتصرُ على الشباب فقط، بل يمتدُّ إلى ضعف الأدوار التربوية والاجتماعية التي يفترض أن ترسّخ حدود ما يُنشر وما يُحتفظ به. وأضافَ: إنَّ الإفراط في التصوير والتسجيل والنشر قد يخلّف آثارًا نفسية واجتماعية خطيرة، مثل الشعور بالندم، والقلق، وفقدان الشعور بالأمان، إلى جانب التعرض للابتزاز أو الاستغلال لاحقًا، مؤكدًا أنَّ كثيرًا من الأزمات النفسية تكون نتيجة قرارات لحظية لم يُنظر إلى تبعاتها بعيدة المدى.
د. عبداللطيف النعيمي: تتبُّع خصـوصـيـات الـناس تعــدٍ صـريـحٌ
أكَّدَ فضيلةُ الشَّيخ الدكتور محمد عبداللطيف النعيمي، الداعية الإسلامي، أنَّ تتبُّع خصوصيات الناس يُعد تعديًا صريحًا، ويقع شرعًا ضمن باب التجسس الذي نهى عنه الإسلام بنصٍّ قرآني واضحٍ في قوله تعالى: «ولا تجسسوا»، وهو نهي واضح لا يحتمل التأويل أو التخفيف. وأوضحَ أنَّ التجسس في المفهوم الشرعي لا يقتصر على التلصص أو مراقبة البيوت، بل يشملُ كلَّ تتبع لخصوصيات الآخرين دون علمهم أو رضاهم، سواء كان ذلك من خلال التصوير أو التسجيل، والنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لافتًا إلى أن تصوير الإنسان دون إذنه يُعدُّ اعتداءً مباشرًا على خصوصيته وكرامته الإنسانية. وأشارَ إلى أنَّ الإسلام دعا إلى الستر وحفظ الحقوق، مستشهدًا بقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»، متطرقًا في هذا السياق إلى خطورة ما يقوم به البعض من تتبع عورات الناس أو نشر تفاصيل حياتهم الخاصة، حتى وإن حاولوا تبرير ذلك بدعوى المزاح أو التسلية أو عدم القصد، ومؤكدًا أن هذه المبررات لا ترفع الإثم ولا تُسقط المسؤولية. ونوّه إلى أن استخدام التكنولوجيا الحديثة لا يغيّر من الحكم الشرعي شيئًا، وأن حداثة الوسائل لا تعني إباحة المحرمات، وأن هذه الوسائل، وإن كانت من نعم الله إذا أُحسن استخدامها، إلا أنها قد تتحول إلى أداة للإضرار بالآخرين إذا استُخدمت في انتهاك الخصوصيات أو تشويه السمعة. وبيّن أن تتبع خصوصيات الناس أو نشر صورهم ومقاطعهم الخاصة قد يخلّف أضرارًا نفسية واجتماعية جسيمة، تمتد آثارها إلى الأسر والعائلات، وقد تؤدي إلى مشكلات أعمق تمس استقرار المجتمع بأكمله. وأضاف أن القوانين المعاصرة تجرّم مثل هذه الأفعال، لما يترتب عليها من مساس مباشر بالحياة الخاصة للأفراد، مؤكدًا أن احترام الخصوصية، هو قيمة دينية وأخلاقية ومجتمعية أصيلة، دعا إليها الإسلام بوضوح، حين أمر بالستر ونهى عن الفضيحة وتتبع الأخطاء. ودعا في ختام حديثه إلى ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي، خاصة بين فئة الشباب، بأهمية احترام خصوصيات الآخرين، متسائلًا: هل يرضى الإنسان أن تُنتهك خصوصيته أو خصوصية أهله؟ مؤكدًا أن هذا الميزان الأخلاقي هو الفيصل الحقيقي في التعامل مع مثل هذه القضايا.
محمد القصابي: معظم الاختراقات تبدأ بتصرفات بسيطة
في الجانب التقني، أكَّد محمد القصابي، خبير الأمن السيبراني، أنَّ كثيرًا من الاختراقات تبدأ بتصرفات بسيطة، مثل فتح روابط مجهولة المصدر أو التفاعل مع رسائل مشبوهة، مشيرًا إلى أن هذه الروابط قد تمنح المخترقين صلاحيات للوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون أو الملفات دون علم المستخدم. وشدَّدَ القصابي على أن العنصر البشري يظل الحلقة الأضعف في منظومة الأمن السيبراني، موضحًا أن غالبية الاختراقات لا تحدث بسبب ضعف التقنيات، بل نتيجة قلة الوعي أو التهاون في التعامل مع المحتوى الرقْمي. وتطرق إلى مخاطر الإفراط في مشاركة التفاصيل الشخصية عبر منصات التواصل الاجتماعي، لافتًا إلى أن نشر معلومات مثل تواريخ الميلاد أو الصور العفوية أو بيانات الدفع قد يوفر مادة خصبة لعمليات الاحتيال والهندسة الاجتماعية، حيث يستطيع المحتال بناء صورة متكاملة عن الضحية واستغلالها. وختمَ بالتأكيد على أنَّ الخصوصية تبدأ بقرار شخصي، قبل أن تكون مسؤولية قانونية أو تقنية، وأن ليس كل ما يحدث في حياة الإنسان صالحًا للنشر، مهما كانت دوافع التفاعل أو الشهرة.