أخبار

في اليوم الدولي للترجمة.. خبراء: تعزيز حقوق اللغة وتطوير المحتوى العربي أولوية في عصر الذكاء الاصطناعي

يحتفل العالم غدا الأربعاء باليوم الدولي للترجمة، الذي يصادف 30 سبتمبر من كل عام، وقد اختار الاتحاد الدولي للمترجمين قضية التنوع اللغوي وحقوق اللغة، محورا للاحتفاء هذا العام ويقام تحت شعار “قوة الفهم المتبادل”.
 ويبرز الموضوع هذا العام دور الترجمة والترجمة الشفوية والمصطلحات في ضمان حق الأفراد في الوصول إلى التعليم والمعلومات والعدالة والخدمات العامة باللغة التي يفهمونها، وحماية اللغات من التهميش والاندثار.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الترجمة بفعل التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، أكد خبراء في الترجمة في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ أهمية حماية حقوق اللغة وتعزيز حضورها في التعليم والبحث العلمي والفضاء الرقمي، إلى جانب تطوير المترجم وتأهيله للتعامل مع التقنيات الجديدة، مؤكدين أن التكنولوجيا تمثل أداة مساعدة لا بديلًا عن الدور الإنساني والثقافي للمترجم.
وقال الدكتور خليفة عبدالله الهزاع، مترجم وأكاديمي بجامعة قطر، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن حقوق اللغة تعني حق الإنسان في الاحتفاظ بلغته الأم والتعبير بها بحرية، سواء في الدول أحادية اللغة أو متعددة اللغات، فيما يقوم التنوع اللغوي على المحافظة على اللغات المختلفة وتوفير بيئة تتيح لها الاستمرار والنمو، من خلال استخدامها في المدارس والصحف والإذاعة وغيرها.
وأوضح أن الترجمة والترجمة الشفوية تسهمان في إثراء اللغات وتطوير مفرداتها، من خلال إيجاد مرادفات للمصطلحات الأجنبية التي قد لا تكون موجودة في اللغة المنقول إليها، ثم تدخل هذه المفردات في التداول وتخضع للتطوير اللغوي لتصبح جزءًا من اللغة.
وأشار إلى أن بعض المصطلحات الحديثة، مثل “وسائل التواصل الاجتماعي”، ظهرت وتطورت مع الاستخدام ولم تكن موجودة في المعاجم من قبل.
 وأشار الهزاع إلى أن النزوح الناجم عن الحروب يمثل أحد أقسى التحديات التي تواجه اللغات الأقل انتشارًا، إذ قد تضطر جماعات لغوية إلى الانتقال إلى بلدان تتحدث لغات أخرى، بما قد يدفعها إلى الاندماج على حساب لغتها الأم، مشيرا إلى أن قلة التدوين وتراجع حضور اللغة المكتوبة، في ظل انتشار المحتوى السريع على منصات التواصل الاجتماعي، يمثلان تحديا آخر لاستمرار بعض اللغات وتطورها.
وأكد أهمية دور المؤسسات التعليمية والثقافية والجوائز المعنية بالترجمة في حماية التنوع اللغوي، مثل جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، من خلال توفير الحوافز للمترجمين ونقل الأعمال الفكرية والأدبية بين اللغات، بما يثري اللغة المنقول إليها ويوسع دائرة انتشار الأعمال، ويشجع الناطقين باللغات المهمشة على إنتاج أعمال جديدة بها.
ومن قضية التنوع اللغوي وحماية اللغات، يبرز أهمية حضور اللغة العربية في مجالات المعرفة والتقنية، وفي هذا السياق، قال المترجم الدكتور شكري مجاهد، أستاذ الأدب والترجمة بجامعة عين شمس في تصريحات مماثلة لـ/قنا/، إن تقييم حضور اللغة العربية في الترجمة والتقنيات الحديثة يجب أن ينطلق من واقع الفوارق الكبيرة بين اللغات في حجم الاقتصادات والاستثمارات والبنية المؤسسية، فاللغات الكبرى تحظى باستثمارات ضخمة وشركات ومؤسسات تطور التقنيات والحلول اللغوية، في حين لا تمتلك اللغة العربية القدر نفسه من الإمكانات والاستثمارات.
وأكد أن قوة اللغة لا تُقاس بعدد المتحدثين بها فقط، وإنما بحضورها الاقتصادي والمؤسسي والثقافي وقدرتها على إنتاج المعرفة وتطوير أدواتها، منوها بأن تعدد الدول الناطقة بالعربية يحتاج إلى تنسيق أكبر بينها وبين مؤسساتها لتطوير اللغة وتعزيز حضورها.
 وأضاف أن حضور اللغة العربية في البحث العلمي يرتبط مباشرة باللغة التي تُدرّس بها العلوم وتُنتج بها المعرفة، مشيرا إلى إن غالبية الباحثين العرب يدرسون ويكتبون أبحاثهم باللغة الإنجليزية أو لغات أخرى.

وفي قطاع الترجمة، أوضح المترجم الدكتور شكري مجاهد أن العمل الحر يمثل النمط السائد لدى كثير من المترجمين، بينما تحتاج مؤسسات الترجمة إلى نماذج اقتصادية تضمن استدامتها، وإلى دعم مؤسسي يوفر التدريب والمهارات والتقنيات وفرص العمل، مشددا على أن الترجمة الاحترافية تبدأ بانتقاء المترجم المؤهل وإعداده في اللغة والثقافة والمهارات المهنية.

وأكد أهمية العمل في مسارين متوازيين: اكتشاف المواهب القادرة على الترجمة وتطويرها، ودعم المترجمين الذين طوروا أنفسهم ذاتيا من خلال التدريب والتقنيات الحديثة، بما يعزز حضور العربية في الفضاء الرقمي.

وشدد المترجم الدكتور شكري مجاهد، على أن التكنولوجيا لا تعوض الأساس المهني للمترجم، وأن امتلاك اللغة والثقافة والقراءة المستمرة والملكة النقدية يظل شرطا أساسيا، مؤكدا أن المترجم قارئ من نوع خاص، وأن الترجمة تمثل أعلى درجات القراءة النقدية.

ومع توسع حضور الذكاء الاصطناعي في قطاع الترجمة، تبرز أسئلة جديدة حول حدود التقنية ودور الإنسان في المهنة. وفي هذا الإطار، قال المترجم موفق فائق توفيق، خبير الترجمة الفورية في شبكة /الجزيرة/ الإعلامية، في تصريحات لـ/قنا/، إن الذكاء الاصطناعي أحدث “ثورة كبيرة” في مجالات اللغة والترجمة التحريرية والشفوية، وأن التعامل معه أصبح أمرا حتميا، لكنه يجب أن ينظر إليه باعتباره أداة مساعدة وليس غاية بحد ذاته.

وأوضح أن المخاوف من تأثير التقنيات الحديثة في دور الإنسان ليست جديدة، فقد رافقت ظهور الكتابة والمطبعة والحاسوب والإنترنت، من دون أن تنهي دور الإنسان، مشددا على أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المجتمعات على التعامل مع التكنولوجيا بوعي.

وأشار إلى أن واقع الثقافة والقراءة والإنتاج المعرفي العربي يحتاج إلى مزيد من الاهتمام، خصوصا مع تراجع القراءة الواعية والمنهجية والاعتماد المتزايد على الحلول الجاهزة. وأكد أن الترجمة ليست مجرد إجادة لغتين، وإنما هي “ثقافة” تتطلب معرفة عميقة باللغتين والثقافتين والسياقات التي تنشأ فيها النصوص والمعاني.

ولفت إلى محدودية المحتوى المعرفي العربي المتاح في الفضاء الإلكتروني مقارنة بالإنتاج العالمي، معتبرا أن زيادة إنتاج المعرفة العربية تمثل عنصرا أساسيا لتعزيز حضور اللغة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأوضح أن هذه النماذج لا تنتج المعرفة من ذاتها، وإنما تستند إلى المعرفة البشرية التي دربت عليها، فيما تتمثل قوتها الأساسية في سرعة البحث والوصول إلى المعلومات ومعالجتها.

وأشار إلى فوائد الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات ومراجعتها وتلخيصها، خصوصا في البحث العلمي والقضاء، لكنه شدد على ضرورة عدم ترك إصدار الأحكام أو اتخاذ القرارات النهائية للآلة، لافتا إلى افتقارها إلى جوانب إنسانية أساسية مثل فهم النوايا وقراءة لغة الجسد والتعبيرات.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أكثر فاعلية حاليا في الترجمة التحريرية منه في الترجمة الشفوية والفورية، التي تتطلب التعامل مع اللهجات واللكنات ومخارج الحروف، والوقفات، والإشارات الصوتية والتعبيرية. كما يختلف مستوى أدائه بحسب طبيعة النص، إذ يكون أكثر قدرة على التعامل مع النصوص التقنية والعلمية، بينما تصبح المهمة أكثر تعقيدا في النصوص الفلسفية، والدينية، والعاطفية والجمالية.

وخلص توفيق إلى أن الاستغناء عن الذكاء الاصطناعي ليس خيارا واقعيا، وأن المطلوب هو تعلم كيفية استخدامه مع إبقاء الإنسان صاحب القرار النهائي ومراجعة المخرجات لضمان دقتها وجودتها.

جدير بالذكر أن مختلف الدول والبلدان تحتفل باليوم الدولي للترجمة، وهو مناسبة سنوية أقرتها الأمم المتحدة عام 2017 لتكريم دور الترجمة في تعزيز التواصل، ونشر المعرفة، وتعميق التفاهم الثقافي بين الشعوب، ومنذ عام 1991 بدأ الاتحاد الدولي للمترجمين الاحتفال الرسمي سنويا بهذه المناسبة، بينما صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 على إقرار هذا اليوم الدولي والاحتفاء به، حيث وقعت على مسودته إحدى عشرة دولة بينها دولة قطر.

اترك تعليقاً

إغلاق