أخبار

«وقفية علاج مرضى السرطان» تجمع بين حفظ النفس وديمومة الأجر

الدوحة – الراية :

أَكَّدَ الدكتور سلطان إبراهيم الهاشمي، أستاذ الفقه الإسلامي بكلية الشريعة والدراسات الإسلاميّة بجامعة قطر، أن «وقفية علاج مرضى السرطان» تمثل صورة معاصرة للوقف الذي يجمع بين التأصيل الشرعي والاستجابة لحاجة إنسانية مُلحة، مشيرًا إلى أن المساهمة في علاج المرضى وتخفيف أعبائهم تدخل في أبواب البر والإحسان وتفريج الكُرب، موضحًا أن الوقف يضيف إلى ذلك معنى الاستدامة من خلال بقاء الأصل واستمرار الانتفاع برَيْعه.

وأضاف إن الوقفية تندرج ضمن المصرف الوقفي للرعاية الصحية، ما يعكس سَعة مجالات الوقف في الشريعة الإسلامية، موضحًا أن الاستثمار المنضبط للأصول والأموال الموقوفة يحوّل العطاء من مساعدة تنتهي بإنفاقها إلى مورد متجدد يمكن أن يسهم عامًا بعد عام في العلاج وشراء الأدوية والأجهزة والمستلزمات الطبيّة، مع المحافظة على أصل الوقف وتنميته.

ونوّه إلى أن الوقفية تتقاطع مع البعد التنموي المعاصر، لا سيما الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه، إلى جانب ما تحققه الشراكة بين الإدارة العامة للأوقاف والجهات الصحية من تكامل في خدمة المجتمع، داعيًا أهل الخير إلى اغتنام باب الوقف باعتباره من الصدقات الجارية التي يبقى أثرها ويتجدد أجرها، ومثمنًا دور الإدارة العامة للأوقاف بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في إنشاء الوقفيات وإدارتها وربطها باحتياجات المُجتمع.

• بداية.. كيف تنظرون من الناحية الشرعية إلى إطلاق «وقفية علاج مرضى السرطان»؟

الوقف من أجلّ أبواب البر، لأنه يجمع بين بذل المال واستمرار النفع، وقد دل على مشروعيته حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أصاب أرضًا بخيبر واستشار النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فقال له: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها». وهذه العبارة تؤسس لفكرة الوقف بوضوح؛ أن يبقى الأصل وتوجّه منفعته إلى وجوه الخير.

وعندما يكون رَيْع الوقف مُخصصًا لعلاج مرضى السرطان فإننا أمام مصرف يجتمع فيه حفظ النفس، والإحسان إلى المريض، وتفريج الكربة، والتخفيف عن الأسرة. فإذا أسهم الواقف في توفير العلاج أو الدواء أو المستلزمات الطبية فقد دخل في باب عظيم من التعاون على الخير. ويستأنس في هذا المعنى بقول الله تعالى: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة….» رواه الإمام مسلم.

• وهل تخصيص الوقف لفئة محددة من المرضى، مثل مرضى السرطان، يتفق مع مقاصد الوقف؟

بالتأكيد، فالوقف باب واسع، ويجوز تخصيصه لوجه معين من وجوه الخير ما دام مصرفه مباحًا ومحققًا للمصلحة. بل إن الأوقاف المتخصصة توجه الموارد إلى احتياجات واضحة يمكن متابعة أثرها. ومرض السرطان قد يرتبط بعلاج طويل وتكاليف دوائية وطبية متعددة، ومن هنا تبرز قيمة إنشاء مورد وقفي مستدام يساند المرضى وَفق الضوابط والأولويات المعتمدة.

• ما التأصيل الشرعي للوقف لصالح المصرف الوقفي للرعاية الصحية بصورة عامة؟

الرعاية الصحية تدخل في مقصد حفظ النفس، والنصوص الشرعية حافلة بالحث على الرحمة والإعانة والإنفاق وتفريج الكرب. والوقف الصحي ليس منفصلًا عن تاريخ الوقف الإسلامي، فقد عرف المسلمون أوقافًا للمستشفيات وعلاج المرضى والدواء ورعاية المحتاجين.

وفي عصرنا يمكن للمصرف الوقفي للرعاية الصحية أن يؤدي هذه الوظيفة بصورة مؤسسية منظمة؛ فيوجّه رَيْع الأوقاف إلى علاج المرضى وشراء الأدوية والأجهزة والأدوات الطبية ودعم المبادرات الصحية والتعاون مع الجهات المختصة. وهذا من فقه الوقف الذي يربط النص الشرعي بالحاجة المجتمعية المتجددة، ويجعل الوقف شريكًا في التنمية.

• الوقفية تعد إحدى ثمار وقفية «وقف الوقوف».. ما الذي تضيفه هذه الفكرة إلى مفهوم الاستدامة؟

إنشاء وقف يثمر أوقافًا ومشروعات وقفية جديدة يحمل بعدًا استراتيجيًا؛ فبدل أن يقتصر الأثر على مصرف واحد، يمكن أن تسهم العوائد في إنشاء أصول جديدة تخصص لمجالات متعددة بحسب شروط الواقفين وحاجات المجتمع. وهنا تظهر قوة الوقف في قدرته على التجدد؛ أصل ينتج ريعًا، والريع يسهم في بناء أصل جديد أو تأسيس ودعم وقفية جديدة، فتتسع دائرة الخير عبر الزمن.

• ما الفرق بين التبرع المباشر للمريض والوقف المخصص لعلاج المرضى؟

كلاهما خير ومأجور بإذن الله، والحاجة قد تستدعي الإغاثة العاجلة. لكن الوقف يتميّز بالمحافظة على الأصل واستثمار منافعه، ولذلك يمتد أثره إلى المستقبل. التبرّع المباشر قد يعالج حاجة اليوم، أما الوقف فيسعى إلى إيجاد مورد يعالج حاجة اليوم وغدًا وبعد سنوات، ولهذا يُعد من أوضح صور الصدقة الجارية.

• وكيف يسهم الوقف الصحي في تخفيف الأعباء عن المرضى وأسرهم؟

المرض قد تترتب عليه أعباء مالية ونفسية واجتماعية تمتد إلى الأسرة. وعندما توجد موارد وقفية تسهم في تكاليف العلاج والدواء والأجهزة والمستلزمات الطبية فإنها تخفف جانبًا من هذا العبء، وتمنح المجتمع وسيلة منظمة للمشاركة في الرعاية. وهذا يعمق معنى التكافل؛ فالقادر يجعل جزءًا من ماله سببًا في إعانة من يواجه المرض، والوقف يحفظ لهذه المعونة صفة الاستمرار.

• هل يمكن الربط بين «وقفية علاج مرضى السرطان» وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة؟

نعم مع التأكيد أن منطلق الوقف شرعي وقيمي أصيل. فالهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة يدعو إلى ضمان الصحة الجيدة والرفاه، ويتضمن خفض الوَفَيَات المبكرة الناتجة عن الأمراض غير السارية من خلال الوقاية والعلاج، والسرطان من الأمراض الداخلة في هذا الإطار، كما يتناول الوصول إلى الخِدمات الصحية والأدوية والحماية من الأعباء المالية المرتبطة بالصحة.

ومن هذه الزاوية تقدّم الوقفية نموذجًا لآلية تمويل مجتمعية مستدامة تساند الجهود الصحية. كما أن التنسيق مع الجهات الصحية المختصة ينسجم مع فكرة الشراكات التي يؤكدها الهدف السابع عشر، لأن تحقيق الأثر يحتاج إلى تكامل الخبرة الطبية مع المورد الوقفي والإدارة المؤسسية.

• وما أهمية الشراكة بين المؤسسات الوقفية والجهات الصحيّة؟

الجهة الصحية أقدر على تحديد الاحتياجات الطبية والأولويات والفئات المستحقة، والمؤسسة الوقفية تختص بإدارة الوقف والمحافظة على أصوله وتوجيه ريعه وَفق شروط الواقفين. وعندما يتكامل الطرفان يصبح الدعم أكثر كفاءة ودقة، ويصل ريع الوقف إلى موضع الحاجة الحقيقية، وتتحول نية الواقف إلى أثر صحي ملموس ومستدام.

كيف يتم استثمار الأصول أو الأموال الموقوفة؟ وما الأشكال التي يمكن أن يتخذها الوقف؟

القاعدة الأساسية هي المُحافظة على أصل الوقف وتنميته بالوسائل المباحة، ثم صرف الريع في الجهة التي حددها الواقف. وقد تعددت صور الأموال القابلة للوقف؛ فقد يكون الوقف عقارًا يدر دخلًا، أو منقولًا، أو أسهمًا وأوراقًا مالية تقبل طبيعتها الوقف ويكون استغلالها جائزًا شرعًا، كما يمكن وقف الأصول غير الملموسة، ويجوز وقف النقود لتحويلها إلى أصل أو إيداعها في حساب استثمار بالمصارف الإسلامية وَفق الضوابط المعمول بها.

لذلك لا ينبغي حصر الوقف في مبنى أو أرض. من يملك عقارًا يستطيع وقفه، ومن يملك أسهمًا يمكنه وقفها وَفق الضوابط، ومن لديه مبلغ نقدي يمكن أن يسهم به في إنشاء أصل أو مشروع وقفي. والمهم أن يكون الاستثمار مشروعًا، وأن تصان عين الوقف، وأن يوجّه العائد إلى الغرض المحدد حسب شرط الواقف؛ وفي هذه الوقفية إلى المساهمة في علاج مرضى السرطان وما يرتبط بذلك من احتياجات معتمدة.

• ما الكلمة التي توجهونها إلى الواقفين والمحسنين وأهل الخير؟

أقول لكل من وسّع الله عليه: اجعل لنفسك سهمًا في عمل لا ينتهي بانتهاء حياتك. يقول الله تعالى: «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ»، ويقول سبحانه: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ».

والوقف فرصة لأنه يبقي للإنسان أثرًا بعد موته؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه الإمام مسلم. فما أجمل أن تكون صدقتك الجارية دواءً لمريض، أو مساهمة في علاج إنسان، أو جهازًا ينتفع به المرضى عامًا بعد عام. ديمومة الوقف تعني بإذن الله ديمومة باب من أبواب الأجر ما دام النفع قائمًا.

• ما الرسالة التي توجهها للإدارة العامة للأوقاف، باعتبارها الجهة المؤسسة والقائمة على الوقفية؟

أقدّر هذا التوجّه نحو الوقفيات المتخصصة المرتبطة بحاجات المجتمع، لأن نجاح الوقف في عصرنا يحتاج إلى مؤسسة تحفظ الأصل، وتحسن إدارته، وتبني الشراكات، وتعرّف الناس بمجالات الوقف الجديدة. وإطلاق وقفية متخصصة، مثل وقفية علاج مرضى السرطان ضمن المصرف الوقفي للرعاية الصحية يعكس وعيًا بأهمية توجيه الوقف إلى مِلفات ذات أثر إنساني مباشر. والمأمول استمرار تطوير هذه النماذج وقياس أثرها وتعريف المجتمع بنتائجها، لأن رؤية الناس لثمرة أوقافهم تعزّز الثقة وتشجع مزيدًا من الواقفين.

• أخيرًا.. من يرغب في المساهمة في الوقفية، كيف يمكنه أن يوقف؟

أبواب الوقف اليوم ميسرة ومتعددة، ولا يشترط أن يبدأ الإنسان بوقف كبير؛ فكل مساهمة يمكن أن تكون لبنة في أصل وقفي دائم. ويمكن الوقف «أون لاين» من خلال موقع الإدارة العامة للأوقاف أو تطبيقها الإلكتروني، كما تتوافر خدمة التحصيل السريع عبر الخط الساخن 66011160.

والمهم أن يبادرَ الإنسان وألا يستصغر ما يقدّمه؛ فرب مبلغ يسير يضم إلى غيره فينشأ منه أصل نافع، ورب وقف يظل رَيْعه يعالج المرضى سنوات طويلة، فيبقى نفعه في الدنيا وأجره مُدخرًا لصاحبه في الآخرة، بإذن الله.

اترك تعليقاً

إغلاق