أخبار
حين يصبح الوطن يتيمًا.. – جريدة الراية

د. صيتة نقادان
من يعرفني، يعرف أيضًا أنني لم أكتب يومًا مقالًا للنشر في صحيفة، رغم ما عُرض عليّ، على امتداد سنوات، من كتابة مقال أسبوعي، أو زاوية ثابتة.
لم يكن ذلك زهدًا في الكلمة، فالكلمة مهنتي وشغفي، وإنما لأنني كنت أرى نفسي ابنة الجامعة، وباحثة نذرت وقتها وعقلها لهذا الحقل الذي آمنت بأنه رسالتي الأولى. كنت أشعر أن لكل كتابة مقامها، وأن المقال الصحفي يحتاج إلى صوت آخر غير ذلك الصوت الذي اعتاد أن يزن عباراته بميزان البحث، ويختبرها بمنهج العلم.
لكن ثمّة أحداثًا لا تستأذن الإنسان في أن تغيير عاداته، ولا تمنحه فرصة ليختبئ خلف ما اعتاده من صمت.
لهذا أكتب اليوم!
لا لأنني قررت -فجأة- أن أكتب مقالًا، وإنما لأن الحزن هو الذي كتبني.
مرّ أسبوع على رحيل الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وما أقساه من أسبوع! فما زال الغياب أكبر من أن تستوعبه الأيام.
هناك أشخاص يرحلون، فنودعهم بالحزن.
وهناك أشخاص يرحلون، فنشعر أن الشطر الأعظم من ذاكرتنا الشخصية قد رحل معهم.
لم يكن الأمير الوالد بالنسبة لي ولجيلي اسمًا في كتاب التاريخ، ولا صورة في مناسبة رسمية، بل كان وجهًا رافق الطفولة، وصوتًا صاحب سنوات التشكل الأولى، وظل حاضرًا في المشهد كلما كبرت قطر، وكبرنا معها.
ثمة علاقة خفية تنشأ بين الإنسان ووطنه.
لا تصنعها الجغرافيا وحدها، ولا السياسة وحدها، وإنما تصنعها الذاكرة.
ذلك الرصيد الصامت من الصور الصغيرة التي تتراكم عامًا بعد عام، حتى يصبح الوطن والأمير جزءًا من تكويننا الداخلي.
ولذلك لم يكن حزننا على الأمير الوالد حزنًا سياسيًّا، ولا بروتوكوليًّا، ولا حتى تاريخيًّا.
كان حزنًا إنسانيًّا خالصًا.
حزن فقد الأب والأخ والحلم والأسطورة.
حزن من رأى حلمًا كبيرًا وهو يتشكل أمامه على يديه.
ومن شهد وطنًا ينتقل، في سنوات قليلة، من الممكن المتواضع إلى الممكن المستحيل.
ليست العظمة في أن يبني القائد مدينة.
فالبناء تستطيع أن تفعله الأموال.
لكن العظمة أن يبني ثقة شعبٍ بنفسه.
أن يجعل أبناء وطنه يرون المستقبل ممكنًا.
أن تتحول الأحلام من أمنياتٍ بعيدة إلى مشاريع تُقام على الأرض.
ولعل أجمل ما يخلّفه القادة الحقيقيون ليس المباني، ولا الأرقام، ولا الإحصاءات، وإنما ذلك الشعور العميق الذي يزرعونه في وجدان الناس: (أن هذا الوطن قادر).
كنتُ، مثل كثيرين من أبناء هذا الوطن، أرى قطر تكبر عامًا بعد عام.
وكلما اتسعت شوارعها، اتسعت معها أحلامنا.
وكلما ارتفعت جامعاتها، ارتفعت سقوف طموحاتنا.
وكلما علت مكانتها بين الأمم، شعرنا أننا نحن أيضًا أصبحنا أكبر.
ولهذا لم تكن قطر بالنسبة إلينا مجرد مكان نسكنه.
كانت صورتنا الأجمل.
وكان نجاحها جزءًا من تعريفنا لأنفسنا.
وكان ذلك الحلم الكبير، الذي حمله الأمير الوالد وآمن به وجعلنا نؤمن به معه وارتبط في ذاكرتنا بوالدنا العظيم الأمير الوالد، كان هذا هو الإطار الذي تشكلت داخله أجيال كاملة، كان هو من شكّلها.
حين يرحل العظماء، يكتشف الناس أن أثر الإنسان لا يُقاس بطول العمر، وإنما بطول الظل الذي يتركه خلفه.
وظل الأمير الوالد ممتد ممتد في كل زاوية من هذا الوطن.
في الجامعة التي خرّجت آلاف العقول.
وفي المؤسسة التي صنعت معرفة.
وفي المستشفى الذي أعاد الحياة.
وفي الطريق الذي وصل مدينة بأخرى.
وفي الطفل الذي نشأ وهو يؤمن أن بلده، مهما كان صغيرًا على الخريطة، يستطيع أن يكون كبيرًا في العالم.
بعد أسبوع من الرحيل، لا أريد أكتب عن الموت.
أريد أن أكتب عن الامتنان.
فالامتنان هو الوجه الآخر للحزن.
ولو لم يكن العطاء عظيمًا، لما كان الفقد بهذا الثقل.
رحم الله الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمةً تليق بما تركه من أثر لا حدود له، وما غرسه من أمل لا سقف له، وما بثّه في نفوس أبناء وطنه من ثقة بأن الأحلام الكبيرة لا تولد عبثًا، وإنما يصنعها من يؤمنون بها، ثم يمضون، وتبقى آثار أقدامهم منارات تهدي الأجيال من بعدهم.
سلامٌ على من رافق الطفولة والأحلام والصبا.
وسلامٌ على من جعل من الوطن فكرة أكبر من حدود الجغرافيا، ورسالة أكبر من الزمن.
سيظل اسمه محفورًا في ذاكرة قطر، وفي ذاكرة أبنائها، لأنه باق في كل حلم تحقق، وفي كل إنجاز صار جزءًا من حياتنا كلها، وفي كل قلب عرف معنى أن يحب وطنه أكثر، لأنه تعلّم أن يحلم معه.