أخبار
رؤيةٌ صنعت نهضة وطن.. وإرثٌ خالدٌ

بقلم/ توفيق أسامة عبدالغفار:
قائدٌ عظيمٌ شيَّد نهضة وطن، وبنى الإنسان قبل العمران، ورسم رؤيةً دقيقة للحاضر والمُستقبل، وقاد مسيرة التنمية بثبات حتى أصبحت قطر تنافس دول العالم في مُختلِف الميادين، لقد آمن بأن بناء الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه الأوطان، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالعقول، فكان مشروعه مشروع دولةٍ ومُستقبلٍ، لا مشروع مرحلةٍ عابرةٍ.
صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، 18 عامًا من القيادة الرشيدة التي أصبحت مدرسة لمن أراد النهضة والازدهار والتقدّم، رحل وبقي الأثر حيًّا، وحاضرًا في وِجدان المُخلصين؛ بصماته ستبقى ماثلةً في كل ركنٍ من أركان قطر، وفي كل محطةٍ مفصليةٍ.
ستظل مواقفه المُشرّفة تجاه قضايا الأمتين العربية والإسلامية شاهدةً على مر العصور على نظرته البعيدة وثبات مبدئه واتساع رؤيته وتحمّله للصعاب من أجل الحق وأهله، وسيبقى اسمه حاضرًا في صفحات التاريخ المُشرقة، بعد أن ارتبط بمرحلةٍ صنعت التحوّل الأكبر في تاريخ الدولة والوطن العربي، وأرسى في عهده أسس قطر الحديثة، ورسخ مكانتها الإقليميّة والدوليّة.
وسيظل إرثه السياسي والوطني والإنساني مصدر فخرٍ وإلهامٍ للأجيال، بينما تتواصل مسيرة البناء والنهضة بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المُفدى، الذي يواصل حمل الأمانة واستكمال نهج صاحب السمو الأمير الوالد والمواصلة في نهضة الوطن والتنمية وبناء الإنسان وسعادته.
لقد كان صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، قائدًا استثنائيًا ترك بصمةً راسخةً في تاريخ قطر والمنطقة، وآمن إيمانًا عميقًا بقضايا أمتيه العربية والإسلامية، ولم يدخر جهدًا في نصرة الإنسان أينما كان، وخدمة قضايا المسلمين، وبناء المشاريع الإنسانيّة والخيريّة في شتى بقاع الأرض.
وسيظل التاريخ يذكر مواقفه تجاه فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، وجهوده في كسر الحصار عنها، وزيارته التاريخية لها، وإسهاماته في توفير مقوّمات الحياة الكريمة لأهلها، وتجسيد تلك الجهود في مشاريع مَيدانيّة كان من أبرزها إنشاء مدينة سكنية متكاملة، ومستشفى للأطراف الصناعية، ورعاية الأيتام والأرامل، ودعمه الواسع للمشاريع الوقفية في مدينة القدس، وغيرها من المبادرات التي تركت أثرًا باقيًا في حياة آلاف الأسر، وله مآثر في دول عديدة دعم فيها السلام ومُقوّمات الاستقرار. وكما أرسى دعائم الدولة القطرية الحديثة، فقد رسخ معاني العطاء في نهجها، فشُيّدت في عهده المؤسسات الخيرية والاجتماعية والإنسانيّة، إلى جانب توجيهاته ومساهماته في إنشاء ورعاية العديد من المشاريع الإنسانية والتنموية والتعليميّة والإغاثية في دول كثيرة، حتى خففت تلك الجهود معاناة مئات الآلاف، بل الملايين، في أنحاء مُختلفة من العالم.
ورسم نهج الحرية في الصحافة والإعلام وجعل الإعلام القطري مِنْبَرًا للإنسان وصوت الحقيقة ومحطات المعرفة والتاريخ.
ونحسبه ممن رزقهم الله حب الخير، فوفقه لصالح العمل، فعمّر الأرض، ولا ينكر ذلك أحد، وهذا الإعمار نوع من العبادات التي خلق الله العباد لأجلها، كما حرص على تشييد عدد كبير من المساجد في بلاده وخارجها، وما جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب إلا شاهدٌ على ذلك، وشاهدت عددًا من المساجد أثناء رحلاتي الإنسانية في السودان وإندونيسيا، كما بذل الأموال سرًا وعلانية ابتغاء مرضاة الله، وأدخل السرور على قلوب الملايين، فكان أثره ممتدًا في حياة الناس كما هو حاضر في ذاكرة وطنه.
ولم يقتصر عطاؤه في حياته، بل امتد أثره لما بعدها؛ إذ أسهم في إنشاء مشاريع وقفية تُعنى بالرعاية الاجتماعيّة، وتفريج كربات المحتاجين، ومساعدة من ألمّت بهم الحاجة، إيمانًا بما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مؤمن، تكشف عنه كربًا، أو تقضي عنه دَينًا، أو تطرد عنه جوعًا». وامتد عطاؤه كذلك إلى دعم المؤسسات الخيرية في مُختلِف مجالاتها، وارتأى عام 2024 تأسيس جمعية حمد بن خليفة الخيرية؛ لتحسين المستوى المعيشي للمُحتاجين، وتوفير الرعاية الاجتماعية، والدعم المالي والمعنوي في مجالات التعليم والصحة وغيرها، فضلًا عن دعمه المتواصل للمشاريع الخيرية التي أُنشئت في عهده، والمكرمات الأميرية التي أدخلت الفرح والطُمَأنينة إلى أبناء شعبه.
ولم تقتصر رؤيته، رحمه الله، على العمل الإنساني والخيري، بل آمن بأن بناء الإنسان هو الركيزة الأولى لنهضة الأوطان، وأن الاستثمار في العلم والمعرفة هو الاستثمار الأجدى والأبقى، فشُيّد الكثير من المدارس الحكومية والخاصة والجامعات، وطوّرت تطويرًا كبيرًا في مبانيها ومناهجها ومؤسساتها، فتقدّمت جامعة قطر واحتفى بخريجيها عامًا تلو عام، ورسم خُطة مُحكمة لتشييد مؤسسة قطر، وقد حمد الله في كثير من خطاباته، حيث قال رحمه الله: «لقد بدأنا نجني ثمار مشروع وطني طموح للتعليم، غايته غرس جذور المعرفة وتعزيز الدور الاستراتيجي للعلم في بناء الوطن والمواطن.» وكان فخورًا بهذا الصرح، وكان يحمد الله على نجاحه، وغيرها من المؤسسات التعليمية في عهده، كما كُرِّم المتميزون علميًا، وكُفل الطلاب المتعثرون في الداخل والخارج، وطُورت المناهج الدراسيّة، وتنوّعت التخصصات الأكاديمية، بما أسهم في إعداد أجيال مؤهلة للمشاركة في بناء الوطن ورفعته، ومن كلماته الخالدة: «لقد آمنا وما زلنا على إيماننا بأن التعليم هو الثروة الحقيقيّة لأية دولة، فهو أساس كل تقدّم، وافتقاده سبب كل تخلّف.»
وامتد اهتمامه بالتعليم حتى تأسست جامعة حمد بن خليفة عام 2010، لتكون جامعة وطنية تُعنى بالدراسات العُليا، وتسهم في صناعة المعرفة وإحداث التغيير في دولة قطر والمنطقة، من خلال الدمج بين البحث العلمي والابتكار، وتقديم برامج أكاديمية وبحثية متنوّعة عبر ست كليات، لتكون إحدى ثمار رؤيته في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، ووضع نهجًا راسخًا لدعم التعليم وتطويره فقال يومًا في خطاب له: «إن رؤيتنا لتطوير التعليم لا تبنى على منظور نخبوي ضيق يقصر الوصول إلى نور العلم على فئة بعينها، فالحق في التعليم مكفول للجميع، وإن الارتقاء في درجات العلم يجب ألا يتحدد على الإطلاق بالمال أو بالانتماء الاجتماعي.»
وأذكر أنني حظيت برؤية سموه خلال زيارة مفاجئة لمدرسة قطر الإعدادية للبنين، حيث توقف والتقى بجمع من المعلمين والطلبة، وقال لنا: «هذه مدرستي التي تعلمت فيها فاجتهدوا جيدًا في طلب العلم»، ثم حثنا على الحرص على طلب العلم والاجتهاد فيه، وكانت تلك الكلمات وصيةً لا تزال حاضرةً في ذهني، وحافزًا لي ولزملائي على مواصلة مسيرتنا التعليميّة.
ومن هذا المنطلق، رسخ صاحب السمو الأمير الوالد، رحمه الله، قناعته بأن العلم أساس النهضة، فبنى لقطر اقتصادًا معرفيًا يتجاوز الاعتماد على النفط والغاز، وترك علمًا يُنتفع به، يبقى – بإذن الله – صدقةً جاريةً له إلى يوم الدين. ومن إطلالة أخرى على إنجازاته فقد حرص، رحمه الله، على ترك بصمات مُتعددة في الأرض، حيث العمران والبناء والتنمية والنهضة، وفي السماء ارتفعت راية قطر عبر الخطوط الجوية القطرية، التي واصلت حصد لقب أفضل شركة طيران في العالم عامًا تلو الآخر، مؤكدةً أن الريادة ليست إنجازًا عابرًا، بل نهجًا راسخًا في رؤيته. وبفضل رؤيته وحكمته، شهدت قطر نهضةً شاملةً في مُختلِف المجالات، حتى غدت نموذجًا في التنمية الحضارية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والعمرانية والرياضية والاجتماعية والتنموية والدينية، واستُثمرت موارد الدولة من النفط والغاز الطبيعي والبتروكيماويات وغيرها استثمارًا رشيدًا، فتعزز الاقتصاد الوطني، ونما الصندوق السيادي، وترسخت مكانة قطر إقليميًا ودوليًا، فعاشت البلاد في عهده مرحلةً تاريخيةً من الازدهار والتقدّم والإنجاز. ويكاد يُجمع القريب والبعيد على أن صاحب السمو الأمير الوالد قائد استثنائي بكل المقاييس، وشخصية قيادية تركت بصمةً فارقةً في السياسة المُعاصرة، امتلك رؤيةً استشرافية أسهمت في بناء نهضة وطن، وآمن بقدرات أبناء بلاده، فمكّنهم وشجعهم، حتى أصبحت قطر في مصاف الدول المتقدّمة. ومن الجوانب التي ستظل تُذكر له، أن الدوحة في عهده أصبحت حاضنةً للعلم والعلماء؛ إذ احتضنت عددًا كبيرًا من العلماء والمشايخ والدعاة والمُفكّرين المسلمين، ووفرت لهم بيئةً علميةً وإعلاميةً أسهمت في نشر العلم والفكر الإسلامي، وطباعة الكتب الدينية والعلمية، وطُبعت المصاحف ونُشرت ووزعت حتى طُبع مصحف قطر. وغدت الدوحة مِنبرًا للعلم والفكر، وكان ذلك جزءًا من رؤيته بأن بناء الإنسان والفكر ركيزةٌ أصيلةٌ في نهضة الدولة.
وستبقى وصيته وكلماته نبراسًا للأجيال: «أوصيكم بالثبات على الحق والاستقامة على الطريق مهما تبدّلت الأيام والأحوال».
لقد ترك الأمير الوالد، رحمه الله، إرثًا وطنيًا وإنسانيًا سيظل حاضرًا ما بقي أثر الإنجاز شاهدًا على صاحبه؛ فقد أسهم في بناء الإنسان، وعمّر الأرض، وشيّد البنيان، واهتم بصحة الإنسان وتنميته، وأرسى دعائم العمل الخيري والإنساني، لأجل الحياة الكريمة، ووضع برؤيته الحكيمة أسس نهضةٍ تنمويةٍ مُتفردة ميّزت دولة قطر، حتى غدت نموذجًا يُحتذى في التنمية والاستقرار والطموح.
وما زالت تلك المسيرة المُباركة تتواصل، بعون الله وتوفيقه، بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المُفدى، الذي واصل البناء على الأسس الراسخة التي أُقيمت، ورسخ نهجًا يؤمن بأن نهضة الوطن لا تتحقق إلا بسواعد أبنائه، وبالاستثمار في الإنسان، والمحافظة على مكتسبات الوطن، واستشراف المُستقبل بثقة وعزيمة.
ورحل الجسد، وبقي الأثر، وما أعظم أثرًا يبقى بعد صاحبه؛ فالعظماء لا يُقاسون بطول أعمارهم، وإنما بما يتركونه من إنجازٍ، وما يغرسونه من قيمٍ، وما يخلّفونه من أثرٍ نافعٍ يمتد عبر الأجيال.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». رواه مسلم.
ونحسب أن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، قد خلّف من وجوه الخير وأعمال البر ما يرجى أن يكون من العمل الذي يبقى أجره بعد رحيل صاحبه، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا.
لقد امتد أثره إلى البعيد قبل القريب، فيتداعى إلى الذهن قول النبي ﷺ: «إن اللّٰه تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن اللّٰه يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القَبول في الأرض» ونحسبه كذلك، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا.
وما نتابعه من المقاطع والتقارير والمقالات والتغريدات والتعازي والحزن الظاهر في وجوه المواطنين والمُقيمين وفي العالم أجمع، شاهدٌ على ذلك القَبول والمحبة، وكذلك حينما أشاهد الصغير والكبير يتحدث عنه وعن إنجازاته والقنوات الفضائية والإذاعات والصحف المحلية والدولية والحسابات المحلية والخليجية والعربية والإقليمية والعالمية تستعرض إنجازاته، أتذكر قول الشاعر أحمد شوقي:
وَكُنْ رَجُلًا إِنْ أَتَوْا بَعْدَهُ.. يَقُولُونَ مَرَّ وَهَذَا الْأَثَرُ
فهو فقد عظيم لإنسان وقائد عظيم ووالد للجميع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقه لمحزونون.
والدعاء له واجب علينا جميعًا حتى آخر نفس فينا، فاللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وتجاوز عنه، وثبته عند السؤال، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، اللهم جازه بالحسنات إحسانًا، وبالسيئات عفوًا وغفرانًا، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجزاه عن قطر وأهلها، وعن الأمتين العربية والإسلامية، وعن كل من امتدت إليه يد خيره وعطائه، خير الجزاء، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وأدام على دولة قطر نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وحفظ الله حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، ووفقه لكل خير وحفظ شعب قطر والمُقيمين على أرض قطر.