أخبار
مؤسسة قطر ترسخ ثقافة الاستدامة

الدوحة – عبدالمجيد حمدي:
أَكَّدَ الدكتور سعد عبدالحليم شنك، العالم في معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة التابع لجامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر، أن مؤسسة قطر تقود مبادراتٍ متنوّعةً لتعزيز الوعي بالبصمة الكربونية ودعم الاستدامة، من خلال الجمع بين البحث العلمي والمبادرات المجتمعيّة والبرامج التعليمية التي تسهم في ترسيخ ثقافة المسؤولية البيئية لدى مختلِف فئات المجتمع.
وأوضحَ فى حوارٍ مع الراية أن هذه الجهود تأتي في إطار رؤية تهدف إلى تشجيع الأفراد والمؤسسات على تبني ممارسات يومية أكثر استدامة، بما يسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية والحفاظ على الموارد الطبيعية، مشيرًا إلى أن الوعي البيئي بات اليوم عنصرًا أساسيًا في مواجهة التحديات المُناخية العالمية وبناء مستقبل أكثر توازنًا بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
وقالَ: إن أبسط الأفعال اليومية التي يقوم بها الإنسان قد تترك أثرًا مباشرًا على البيئة والمُناخ، مشيرًا إلى أن ما يُعرف بالبصمة الكربونيّة بات اليوم من أهم المؤشرات التي تقيس تأثير الأنشطة البشريّة على كوكب الأرض.
وأوضحَ أن العديد من الناس لا يدركون أن ممارساتهم اليومية، مثل قيادة السيارة أو شراء قطعة ملابس جديدة أو حتى اختيار نوع الطعام الذي يتناولونه، تترتب عليها انبعاثات من الغازات الدفيئة التي تتراكم في الغِلاف الجوي وتسهم في تغيّر المُناخ.
وقال: إن البصمة الكربونية تعني ببساطة إجمالي الانبعاثات الناتجة عن أفعالنا واستهلاكنا اليومي للطاقة والموارد، وهي تُقاس عادة بما يُعرف بمكافئ ثاني أكسيد الكربون، مشيرًا إلى أن هذه الانبعاثات لا تنتج فقط عن الأنشطة الصناعية الكبرى أو وسائل النقل الثقيلة، بل تنشأ أيضًا من تفاصيل الحياة اليومية، مثل تشغيل أجهزة التكييف أو استخدام الأجهزة الكهربائية أو حتى العادات الغذائية المختلفة، موضحًا أن الوعي بهذه التفاصيل الصغيرة يمثل خُطوة مهمة نحو تقليل الأثر البيئي وتحقيق نمط حياة أكثر استدامة.
وأوضحَ أن بعض المنتجات الاستهلاكية تحمل بصمة كربونية أعلى من غيرها، موضحًا أن صناعة الملابس على سبيل المثال قد تنتج كَميات ملحوظة من الانبعاثات وإن إنتاج قميص واحد مصنوع من مادة البوليستر قد يولّد نحو 5.5 كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يزيد على ضعف الانبعاثات الناتجة عن إنتاج قميص قطني.
ولفتَ إلى أن إنتاج اللحوم الحمراء يُعد من أكثر الأنشطة الغذائية تأثيرًا على البيئة، نظرًا للانبعاثات المرتبطة بتربية المواشي، مقارنة بزراعة الفواكه والخَضراوات التي تترك أثرًا بيئيًا أقل.
وأكدَ أن هذه الفوارق في البصمة الكربونية بين المنتجات والأنشطة المختلفة تعكس أهمية اتخاذ خِيارات استهلاكية واعية، موضحًا أن القرارات الفردية الصغيرة قد تبدو غير مؤثرة في ظاهرها، لكنها عندما تتراكم على مستوى المجتمع تصبح عاملًا مهمًا في تشكيل الواقع البيئي.
وأشارَ الدكتور شنك إلى أن ارتفاع البصمة الكربونية يؤدي إلى زيادة الضغط على الأنظمة البيئية وتسارع ظاهرة الاحتباس الحراري، ما قد يساهم في ينعكس في تشكيل ظواهر مُناخية متطرفة مثل موجات الحرارة الشديدة وازدياد الكوارث الطبيعية وتدهور التنوّع البيولوجي، مضيفًا: كلما زادت الانبعاثات الكربونية ارتفع العبء على كوكب الأرض، لذلك أصبح تقليل هذه الانبعاثات ضرورة بيئية واقتصاديّة في الوقت نفسه.
وفيما يتعلق بدولة قطر، أوضحَ أن المؤشرات العالمية تظهر أن معدلات الانبعاثات للفرد الواحد مرتفعة نسبيًا، ويرجع ذلك إلى طبيعة الاقتصاد الوطني الذي يعتمد بشكل كبير على قطاع الطاقة والصناعات المرتبطة به، إضافة إلى حجم الإنتاج الصناعي الكبير مقارنة بعدد السكان المحدود نسبيًا، ما يؤدّي إلى ارتفاع المؤشر عند احتسابه على أساس نصيب الفرد.
كما أشارَ إلى أن الظروف البيئية الطبيعية في المنطقة، بما في ذلك مصادر الغبار الطبيعي المرتبطة بطبيعة المُناخ الصحراوي، قد تؤثر أيضًا في بعض مؤشرات جودة الهواء عند مقارنتها بمدن أخرى حول العالم. وأشارَ إلى أن هذه العوامل الطبيعية ليست ناتجة عن أنشطة بشرية، بل تعكس الخصائص البيئية للمنطقة.
وأضافَ: إن الظروف المُناخية في المنطقة تسهم أيضًا في ارتفاع استهلاك الطاقة، خاصة بسبب الاعتماد الكبير على أجهزة التكييف معظم أشهر السنة، فضلًا عن الاعتماد الواسع على السيارات في التنقل اليومي، مشيرًا إلى أن هذه العوامل مجتمعة تجعل مسألة تقليل البصمة الكربونية في قطر أكثر إلحاحًا، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال أمام تشجيع الممارسات المستدامة وتبني حلول مبتكرة في مجالات البيئة والطاقة والاستدامة.
وأكدَ الدكتور شنك أن خفض البصمة الكربونية لا يتطلب تغييرات جذرية في نمط الحياة، بل يمكن تحقيقه من خلال خُطوات بسيطة لكنها مؤثرة، موضحًا أن اختيار وسائل النقل العام قدر الإمكان، أو مشاركة السيارة بين أكثر من شخص، يسهم بشكل واضح في تقليل الانبعاثات الناتجة عن التنقل.
كما دعا إلى استخدام أجهزة التكييف بكفاءة أكبر من خلال ضبط درجات الحرارة بشكل معتدل، والحرص على تقليل استهلاك الطاقة في المنازل وأماكن العمل موضحًا أن الحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستعمال، وتقليل هدر الطعام، واختيار المنتجات المحلية التي لا تتطلب مسافات نقل طويلة، كلها إجراءات عملية تسهم في خفض البصمة الكربونيّة.
وأشارَ إلى أن أماكن العمل يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في دعم هذه الجهود من خلال تبني سياسات بيئية وتشجيع الموظفين على استخدام وسائل نقل منخفضة الانبعاثات، إضافة إلى تطبيق ممارسات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة والموارد.
ولفتَ إلى أن تبني عادات يومية صديقة للبيئة يمكن أن يحدثَ فرقًا حقيقيًا في مواجهة التغيّر المُناخي، وأن المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومات والمؤسسات وحدها، بل تشمل أيضًا الأفراد والأسر، وقال إن كل خُطوة نحو تقليل الانبعاثات الكربونية تسهم في بناء مستقبل أكثر مرونة واستدامة.
وأوضحَ أن المدينة التعليمية التابعة لمؤسسة قطر تُمثل نموذجًا عمليًا لتطبيق مفاهيم الاستدامة على أرض الواقع، حيث تحتضن العديد من المبادرات البيئية التي تهدف إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتشجيع الممارسات المستدامة.
وأشارَ في هذا السياق إلى أن الحرم الجامعي يضم سكنًا طلابيًا حاصلًا على شهادة «لييد» العالمية في المباني الخضراء، إضافة إلى برامج ومبادرات مجتمعية تهدف إلى ترسيخ ثقافة الاستدامة بين الطلبة والزوّار، كما يشهد تعاونًا مستمرًا بين الباحثين والأكاديميين وصنّاع القرار لتطوير حلول علمية وتقنية تدعم جهود حماية البيئة.
وأضافَ: إن معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة يعمل على تطوير بحوث متقدمة وأدوات تحليلية وتقنيات مبتكرة تسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة وتسهم هذه الجهود في تمكين القطاعات المختلفة من تبني خِيارات مستدامة، مؤكدًا أن البحث العلمي يلعب دورًا محوريًا في دعم التحوّل نحو اقتصاد منخفض الكربون وتعزيز الاستدامة في قطاعات الطاقة والمياه والبيئة.
وتطرق الدكتور شنك إلى مشروع جزيرة الاستدامة في المدينة التعليمية، موضحًا أنه مركز لإعادة التدوير يجمع بين التعليم والترفيه ويهدف إلى تعزيز الوعي البيئي لدى مختلِف فئات المجتمع، خاصة الشباب.
وقال إن هذه المبادرات تجعل مفهوم الاستدامة أكثر قربًا من الناس، وتساعد على تحويل المعرفة البيئية إلى سلوك عملي في الحياة اليومية، مؤكدا أن دمج التعليم والفنون والأنشطة التفاعلية في مثل هذه المشاريع يسهم في ترسيخ ثقافة الاستدامة لدى الأجيال الجديدة، ويشجعهم على تبني ممارسات مسؤولة تجاه البيئة.
وشدّد الدكتور شنك على أن خفض البصمة الكربونية يمثل خُطوة أساسية نحو تحقيق مستقبل أكثر استدامة، موضحًا أن ذلك سينعكس إيجابًا على جودة الهواء وصحة المجتمعات واستدامة الموارد الطبيعية.
وقال: إن نجاح المجتمعات في تقليل انبعاثاتها الكربونية يعني تحقيق توازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، وهو الهدف الذي تسعى إليه العديد من الدول اليوم، مضيفًا: إن الخِيارات التي نتخذها في حياتنا اليومية، مهما بدت بسيطة، قادرة على إحداث تأثير كبير في مستقبل كوكبنا.
وأكدَ أن الوعي البيئي وتغيير أنماط الاستهلاك يمثلان عنصرين أساسيين في دعم الجهود الوطنية والعالمية لمواجهة التغيّر المُناخي، لأن خِياراتنا اليوم هي التي ستحدّد شكل المُناخ الذي سيعيشه أبناؤنا في المُستقبل.