أخبار
من القراءة والكتابة إلى المهارات الرقمية.. مفهوم جديد لمحو الأمية في القرن الحادي والعشرين

الدوحة – قنا :
يحيي العالم في الثامن من سبتمبر من كل عام اليوم الدولي لمحو الأمية، وتصادف السنة الحالية الذكرى السنوية الستين لإقرار اليوم الدولي لمحو الأمية منذ أن تم اعتماده في عام 1966 من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة /اليونسكو/، ويحمل هذا العام شعار “محو الأمية تحقيقا لمصلحة الشعوب والأرض وبناء الازدهار”.
ومناسبة هذا العام تكتسب أهمية خاصة، إذ تأتي في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، والتي أعادت تعريف مفهوم محو الأمية ليشمل إلى جانب المهارات الأساسية، الكفاءات الرقمية والإعلامية والمعلوماتية والقدرة على التعلم المستمر.
وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي حققته دول العالم في رفع معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، فإن البيانات الدولية تظهر استمرار فجوات كبيرة، خاصة بين الفئات الأكثر فقرا، وبين النساء والفتيات، وسكان المناطق المتأثرة بالنزاعات والأزمات.
ووفقا لليونسكو، فإن نحو 754 مليون شاب وبالغ كانوا يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية في العام 2023، وأن نحو ثلثي هؤلاء من النساء، ما يعكس استمرار التحديات أمام تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بضمان التعليم الجيد المنصف والشامل، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع.
وتؤكد المنظمة الأممية، أن محو الأمية يشكل أساسا لاكتساب المعارف والمهارات الأخرى، ويسهم في تمكين الأفراد من المشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما يرتبط ارتباطا وثيقا بالحد من الفقر وتحسين الصحة وتعزيز المساواة بين الجنسين، ومن هذا المنظور، لم يعد محو الأمية هدفا تعليميا منفردا، وإنما أصبح جزءا من منظومة أوسع لبناء الإنسان القادر على التعلم والمشاركة والإنتاج والتكيف مع المتغيرات.
وحول جهود دولة قطر في مجال محو الأمية، قالت السيدة فاطمة العبيدلي مساعد مدير إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن دولة قطر تترجم شعار اليوم الدولي لمحو الأمية لعام 2026 “محو الأمية تحقيقا لمصلحة الشعوب والأرض والازدهار” من خلال توفير فرص تعليمية متكافئة للجميع ،وتعزيز برامج التعليم المستمر وتعليم الكبار، وتجسد الوزارة هذا التوجه عبر تسعة مراكز مسائية موزعة على مختلف مناطق الدولة، منها أربعة مراكز للبنين وخمسة مراكز للبنات، إضافة إلى مركز قطر التقني المسائي الذي يوفر مسارات تعليمية ومهنية تلبي احتياجات الدارسين، كما تتيح الوزارة مسارا موازيا للدارسين الراغبين في تحسين مستوياتهم التعليمية بما يدعم فرصهم الوظيفية وتطورهم المهني، وتسهم هذه الجهود في تعزيز التنمية البشرية المستدامة، انسجاما مع رؤية قطر الوطنية 2030 التي تضع الاستثمار في الإنسان وتنمية قدراته في مقدمة أولوياتها، بما يمكن الأفراد من المشاركة الفاعلة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وأكدت العبيدلي، أن الوزارة تتبنى مفهوما شاملا لمحو الأمية يتجاوز القراءة والكتابة ليشمل المهارات الرقمية والإعلامية والمعلوماتية، من خلال توظيف التقنيات الحديثة في التعليم، وتعزيز مهارات استخدام المنصات التعليمية والبحث عن المعلومات وتقييمها، كما يتم التركيز على تنمية الوعي بالتقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي بما يمكن الدارسين من التفاعل الإيجابي مع التحولات الرقمية ومتطلبات المستقبل.
ولفتت إلى أن الوزارة توفر برامج تعليمية متكاملة من خلال المراكز المسائية وفق مسارات تعليمية متدرجة تركز على تنمية مهارات القراءة والكتابة والفهم اللغوي والحسابي، مع تقديم دعم أكاديمي للدارسين عند الحاجة، حيث يتم تقييم الطلبة من خلال اختبارات نهاية الفصل الدراسي، بهدف قياس مستوى التحصيل الدراسي وتحقيق نواتج التعلم، وتقديم الدعم الأكاديمي اللازم للطلبة بما يعزز نجاحهم واستمرارهم في الدراسة.
واختتمت السيدة فاطمة العبيدلي مساعد مدير إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي تصريحاتها لـ/قنا/، بالتأكيد على أن الأولويات المنهجية تتمثل في تعزيز ثقافة التعلم مدى الحياة، وتوسيع فرص التعلم المرن للكبار وتطوير برامج تعليمية تتواكب مع متطلبات الاقتصاد المعرفي وسوق العمل، والتوسع في توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، إلى جانب تنمية المهارات المستقبلية لدى الدارسين، وهذه التوجهات تأتي دعما لرؤية قطر الوطنية 2030 الهادفة إلى بناء مجتمع متعلم وقادر على المنافسة والابتكار وتحقيق التنمية المستدامة.
من جانبه أثنى السيد حسين اليافعي الخبير والمستشار التربوي في وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، على تجربة برامج محو الأمية بدولة قطر، والتي ترجمت الدعوات لمحو الأمية من خلال الاستثمار في التعليم باعتباره أساسا للتنمية والتمكين، وتوفير فرص التعليم لمختلف فئات المجتمع، إلى جانب تطوير المناهج واستخدام التقنيات الحديثة في العملية التعليمية، كما أن اهتمام الدولة بجودة التعليم لا يقتصر على اكتساب مهارات القراءة والكتابة، بل امتد إلى بناء إنسان قادر على التعلم والإنتاج والمشاركة الفاعلة في التنمية.
وأضاف اليافعي أن مشكلة افتقار الملايين حول العالم للمهارات الأساسية لمحو الأمية، ليست مرتبطة بإتاحة التعليم فقط، وإنما بمجموعة من العوامل الاقتصادية التي تقيس الجانب المعيشي للطالب والعوامل الاجتماعية التي تدخل في عادات الناس لتمنع البعض من اكتساب العلم، إضافة إلى اختلاف جودة التعليم واستمرارية المتعلم فيه.
ورأى أن مفهوم محو الأمية أصبح أوسع من مجرد القراءة والكتابة والحساب وقال: نحن اليوم أمام مفهوم يشمل الأمية الرقمية والمعلوماتية، والقدرة على التحقق من المعلومات، والتفكير النقدي، والتعامل الواعي مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، كما أن المتعلم في عصرنا هو من يتوافر فيه أمران أساسيان أولهما، من يمتلك القدرة على التعلم المستمر، وثانيهما القدرة على استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ولفت، إلى أن التعليم هو أحد أهم أدوات التنمية المستدامة، فكلما ارتفع المستوى التعليمي أصبح الفرد أكثر قدرة على اتخاذ قرارات صحيحة في العمل والحياة، وأكثر وعيا بقضايا البيئة، كما أن محو الأمية الرقمية والمهنية، يفتح الباب للحصول على فرص عمل أفضل وتطوير مهارات الناس.
وختم السيد حسين اليافعي الخبير والمستشار التربوي في وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حديثه لـ/قنا/، بالتأكيد على ضرورة بناء ثقافة القراءة والتعلم مدى الحياة، مذكرا بأن معظم المجتمعات في هذا العصر، تعاني مشكلة ضعف الحافز للقراءة لكثرة الملهيات التي تصرف الإنسان عن القراءة، واعتبر أن بناء ثقافة القراءة مسؤولية مشتركة، فالأسرة تغرس حب القراءة منذ الطفولة من خلال القدوة والممارسة، بينما تحول المدرسة القراءة من واجب دراسي إلى عادة يومية للطالب، في الوقت الذي يوفر فيه المجتمع بيئات ومبادرات تشجع على التعلم، أما وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، فعليها أن تستثمر في جذب الأطفال والشباب إلى المحتوى المعرفي بصورة جاذبة.
إلى ذلك، أوضح الخبير الأكاديمي الدكتور إبراهيم الكاروري، في تصريحات لـ/قنا/، أنه لابد من الإشارة إلى تطور مفهوم الأمية من النظرة التقليدية السابقة، والتي اعتبرت أن الأمية هي الجهل بأساسيات القراءة والكتابة، إلى التعريف المعاصر والذي يستصحب المتغيرات التقنية والحضارية ليدخل ضمن التعريف استمرار التعلم ليشمل مهارات التواصل والتعامل مع إبداعات العقل التقني وجعل التعلم صيرورة لا تنتهي، وهذا يلقي بأعباء على مناهج التربية، بل وعلى مؤسسات التربية، وذلك بتصميم المناهج المستوعبة لهذه التحديات، مع إدخال المناهج المتخصصة في كليات التربية إضافة إلى تخصيص برامج إعلامية متخصصة حيث تتحقق المواكبة والاطلاع على المتغيرات ومن ثم استيعاب مطلوبات المرحلة.
وشدد الدكتور الكاروري، على أن أفضل المناهج والبرامج والاستراتيجيات التي يمكن اعتمادها وتجمع بين الكتابة والحساب وتنمية المهارات الحياتية والعملية، تقوم على وضع خطة استراتيجية دقيقة وشاملة متضمنة آلية قياس ومتابعة للإحاطة بالظاهرة، إلى جانب الاهتمام بالتحليل الدقيق الذهني والنفسي للإحاطة بالمشكلة وتحديد العوامل المؤثرة لوضع خطة مرحلية متدرجة، مع وضع برامج متخصصة تشارك فيها الجامعات والمراكز المتخصصة والمعاهد عبر الاستبيانات والرصد والمتابعة، فضلا عن إشراك الكليات المجتمعية، ومؤسسات الزكاة والوقف، ومنظمات المجتمع المدني في تنفيذ البرامج، مع وضع مقياس وطني لمتابعة الأرقام، وقياس مدى نجاعة الخطط الموضوعة.
ولفت إلى أن أبرز التحديات التي تواجه جهود محو الأمية في الوقت الراهن، وفي ظل التحولات المتسارعة وتطور أساليب التعليم، تتمثل في غياب الرؤية الشاملة ومن ثم التخطيط والمتابعة، والفقر وقلة الإمكانيات في بعض الدول، والحروب والنزاعات مما يؤثر على الإقبال على التعليم، وعدم إصدار تشريعات تعالج المشكلة وتضبط تفاقمها وتشجع الراغبين في الدراسة، إلى جانب ضعف الحوافز والدوافع أمام الذين يعانون من مشكلة الأمية، وربط ذلك بالمكسب الاقتصادي، إذ لا يرون أنه مكسب متوقع يقتضي الاهتمام بالتعليم.
وهكذا، فإن الاحتفاء باليوم الدولي لمحو الأمية، لا يمثل مناسبة لتذكر أهمية القراءة والكتابة فحسب، بل فرصة لإعادة التأكيد على أن التعليم هو المدخل الأوسع للتمكين، وأن محو الأمية هو نقطة البداية في رحلة طويلة نحو المعرفة والابتكار والتنمية والازدهار.