أخبار
الأمم المتحدة.. من الدبلوماسية إلى صناعة القرار.. قطر تعزز حضورها في لجان الأمم المتحدة

يواصل حضور دولة قطر في منظومة الأمم المتحدة تطوره من المشاركة الفاعلة في المحافل والفعاليات الدولية إلى الاضطلاع بأدوار مؤسسية داخل عدد من اللجان والهيئات الأممية، بما يعكس تنامي مكانتها الدبلوماسية وتزايد الثقة الدولية بخبراتها وإسهاماتها في الملفات القانونية والإنسانية والحقوقية والتنموية.
ويأتي انتخاب دولة قطر مقررا للجنة السادسة للجمعية العامة للأمم المتحدة (المعنية بالمسائل القانونية وتقنين القانون الدولي وتطويره التدريجي)، في دورتها الحادية والثمانين، أحدث مؤشر على هذا الحضور المتنامي.. فقد انتخبت اللجنة في يونيو الماضي السيد عبدالعزيز فضالة السليطي السكرتير الثاني بالوفد الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة في نيويورك، مقررا للجنة التي تبدأ أعمال دورتها الجديدة في أكتوبر المقبل.
وأكدت وزارة الخارجية أن انتخاب دولة قطر يعكس اعترافا أمميا بمكانتها ودورها الفاعل في أعمال لجان الأمم المتحدة، فضلا عن التقدير الدولي للكفاءات الوطنية القطرية وإسهاماتها النشطة والبناءة في المحافل الدولية.
ويمتد الحضور القطري إلى منظومة حقوق الإنسان، حيث أعيد انتخاب مرشحة دولة قطر الدكتورة شيخة عبدالله المسند لعضوية لجنة القضاء على التمييز العنصري للفترة 2026 – 2030، بعد حصولها على دعم 163 دولة طرفا في الاتفاقية خلال الانتخابات التي جرت بمقر الأمم المتحدة في نيويورك في يونيو 2025.
وتضطلع اللجنة بمراقبة تنفيذ الدول الأطراف للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، ما يجعل تجديد العضوية القطرية امتدادا لمشاركتها في الآليات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومكافحة التمييز.
كما يتجلى هذا الحضور في المشاركة النشطة في أعمال مجلس حقوق الإنسان وآلياته، حيث شاركت دولة قطر في يونيو 2026 في نقاش رفيع المستوى بمناسبة مرور 20 عاما على إنشاء المجلس، مؤكدة أهمية تعزيز فعاليته ومصداقيته ودوره الوقائي، وربط حقوق الإنسان بالتنمية والسلام والأمن. كما شاركت في مناقشات المجلس بشأن العنف ضد النساء والفتيات، مؤكدة رفض جميع أشكال العنف وأهمية تعزيز الأطر القانونية والمؤسسية للحماية والتمكين.
وفي أغسطس 2026، شاركت دولة قطر في الحوار التفاعلي مع لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لمناقشة تقاريرها الدورية المجمعة، بمشاركة وفد وطني ضم ممثلين عن عدد من الوزارات والجهات المعنية.
وكانت دولة قطر قد انتخبت بالإجماع لعضوية عدد من مؤسسات الأمم المتحدة، من بينها لجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجالس إدارة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق الأمم المتحدة للسكان ومكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع، في إطار عضويات تعكس اتساع نطاق المشاركة القطرية في منظومة الأمم المتحدة.
وتكتسب هذه العضويات أهمية في ضوء الأدوار التي تضطلع بها اللجان والمجالس الأممية في صياغة السياسات والمعايير الدولية واعتماد القرارات ومتابعة تنفيذ البرامج، وهو ما يوفر مساحة أوسع للكفاءات القطرية للمشاركة في مناقشة وصياغة عدد من الملفات ذات الأولوية على الساحة الدولية.
ويعكس تنوع هذه المواقع تعدد مسارات السياسة الخارجية القطرية، التي تجمع بين الدبلوماسية والوساطة والعمل متعدد الأطراف والمشاركة المؤسسية، إلى جانب الإسهام في الملفات الإنسانية والتنموية والقانونية.
وفي هذا السياق، أكدت دولة قطر خلال مناقشة رفيعة المستوى في مجلس الأمن في يونيو 2026 أن الوساطة والتسوية السلمية للنزاعات تمثلان ركنا أساسيا في سياستها الخارجية، واستعدادها للعمل مع مجلس الأمن والشركاء الدوليين لتعزيز الحوار والوساطة وتحقيق السلام المستدام.
كما يبرز الدور القطري في مجال مكافحة الإرهاب، حيث أكدت الدولة أمام الجمعية العامة في يوليو 2026 التزامها باستراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب وركائزها الأربع، وأهمية معالجة الظروف التي تساعد على انتشار الإرهاب، ومن بينها النزاعات وخطاب الكراهية وانتهاكات حقوق الإنسان.
ويتكامل هذا الحضور مع استضافة الدوحة عددا من مكاتب ووكالات الأمم المتحدة، من بينها مكاتب تابعة لليونيسف واليونسكو ومنظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب ومكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ما يعزز مكانة الدوحة منصة للحوار والتعاون الدولي في القضايا الإنسانية والتنموية والأمنية.
وفي سياق دعم العمل متعدد الأطراف، استضافت الدوحة في ديسمبر 2025 اجتماع مجلس رؤساء الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة 13 من رؤساء الجمعية العامة السابقين، والذي توج بإصدار “إعلان الدوحة” بشأن تحديات العمل متعدد الأطراف وضرورة تعزيز دور الأمم المتحدة وإصلاحها بما يمكنها من التعامل بصورة أكثر فاعلية مع الأزمات الدولية، قبل أن يحال الإعلان رسميا إلى الأمين العام للأمم المتحدة في فبراير 2026.
وبذلك، يعكس اتساع الحضور القطري في اللجان والهيئات والمجالس الأممية انتقال المشاركة من مجرد التمثيل في المحافل الدولية إلى الإسهام المؤسسي في أعمال منظومة الأمم المتحدة، بما يعزز قدرة دولة قطر على المشاركة في صياغة التوافقات ودعم العمل متعدد الأطراف والتفاعل مع القضايا الدولية ذات الأولوية.
وحول انتخاب دولة قطر في مواقع قيادية داخل اللجان والهيئات التابعة للأمم المتحدة، قال السيد ناصر بن عبدالعزيز النصر رئيس مجلس رؤساء الجمعية العامة للأمم المتحدة، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن هذا الحضور يمثل امتدادا لمسار دبلوماسي تراكمي، انتقلت خلاله الدولة من المشاركة في العمل الدولي متعدد الأطراف إلى الإسهام الفاعل فيه وتولي مسؤوليات متقدمة، مؤكدا أن الوصول إلى مثل هذه المواقع يعكس ما بنته قطر من ثقة لدى المجتمع الدولي، بفضل مواقفها المتوازنة ومصداقية دبلوماسيتها وقدرتها على الحوار وبناء التوافقات.
ونوه بأن السياسة التي يقودها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أسهمت في ترسيخ مكانة قطر كدولة فاعلة تتحمل مسؤولياتها الدولية، وتسعى إلى تقريب وجهات النظر، وتوظف علاقاتها لخدمة السلام والاستقرار، بالتوازي مع إسهاماتها في مجالات التنمية والعمل الإنساني والحوار الدولي.
وأكد أن تولي دولة قطر مواقع متقدمة، من بينها منصب مقرر اللجنة السادسة للجمعية العامة، لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثا منفصلا، بل نتيجة طبيعية لمسار سياسي ودبلوماسي متواصل، ودليلا على أن الثقة الدولية في قطر وكفاءاتها الدبلوماسية أصبحت رصيدا مؤسسيا يتعزز بمرور الوقت.
وأضاف أن تجربته في مؤسسات الأمم المتحدة أكدت له أن هذه المواقع لا تمثل امتيازا سياسيا بقدر ما تفرض مسؤولية أكبر في الحوار مع مختلف الأطراف وبناء أرضيات مشتركة بين المواقف المتباينة، مشيرا إلى أنه خلال رئاسته للدورة السادسة والستين للجمعية العامة حرص على أن تكون الوساطة وبناء التوافق نهجا للرئاسة، استنادا إلى مبادئ السياسة الخارجية القطرية التي أرسى دعائمها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله، والقائمة على الحوار وتسوية النزاعات بالطرق السلمية والانفتاح على مختلف الأطراف.
ورأى النصر أن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى قد حافظ على هذا الإرث الدبلوماسي ورسخه وطوره، ونقله إلى مساحة أوسع من الحضور والتأثير الدولي، وقد أصبحت الوساطة في عهد سموه إحدى العلامات المميزة للدبلوماسية القطرية، إلى جانب التمسك بالقانون الدولي والعمل متعدد الأطراف والحوار مع مختلف القوى.
ولفت إلى أن نهج حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى لا ينظر إلى الوساطة باعتبارها تحركا يرتبط بأزمة بعينها، وإنما باعتبارها جزءا من رؤية أشمل لدور دولة قطر في بناء الجسور وفتح قنوات الحوار والإسهام في إيجاد الحلول للأزمات والنزاعات.
وأوضح أن هذا النهج يمنح الدبلوماسية القطرية داخل الأمم المتحدة رصيدا مهما من الثقة، يمكن البناء عليه في المفاوضات وجهود تقريب وجهات النظر وصياغة التوافقات، مشيرا إلى أن تولي الكفاءات القطرية مواقع قيادية في اللجان والهيئات الدولية يمثل امتدادا لهذه السياسة، ويسهم في ترجمة مبادئ السياسة الخارجية للدولة إلى حضور فاعل وتأثير ملموس داخل المؤسسات الدولية.
وتطرق السيد ناصر بن عبدالعزيز النصر رئيس مجلس رؤساء الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى متطلبات تحويل الحضور القطري المتنامي في المؤسسات واللجان الأممية إلى تأثير دبلوماسي أكثر رسوخا في القضايا الدولية الكبرى، مؤكدا أن دولة قطر قطعت شوطا مهما في تعزيز حضورها داخل منظومة العمل الدولي، وأن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على ما تحقق وتحويله إلى رصيد مؤسسي مستدام.
وقال إن النفوذ الحقيقي للدول يبنى بالتراكم والاستمرارية، وبالقدرة على تحويل الثقة السياسية إلى مبادرات ومؤسسات وكفاءات قادرة على التأثير، لافتا إلى أن مكانة الدول في الأمم المتحدة لا تقاس بمساحتها الجغرافية أو عدد سكانها فحسب، وإنما بما تتمتع به من مصداقية، وما تمتلكه من قدرة على المبادرة وبناء الثقة والتواصل مع مختلف الأطراف، وهي مقومات تمتلك دولة قطر رصيدا مهما منها.
وأضاف أن دولة قطر تمتلك اليوم، فرصة مهمة للبناء على ما تحقق والانتقال بدبلوماسيتها إلى مرحلة أكثر رسوخا وتأثيرا، مستندة إلى ثوابت سياستها الخارجية، وفي مقدمتها استقلالية القرار والحوار والوساطة، إلى جانب تطوير أدوات العمل الدبلوماسي وتوسيع شبكة علاقاتها وتعاونها مع مختلف الدول والمؤسسات الدولية.
وعن تنامي الحضور القطري الفاعل في اللجان والهيئات التابعة للأمم المتحدة، قال الدكتور عبدالله بندر العتيبي الأستاذ المساعد في قسم العلاقات الدولية بكلية الآداب بجامعة قطر في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن الأمر يعد استثمارا قطريا واعيا في المؤسسات والقواعد الدولية، لا سيما في مرحلة يتزايد فيها الاستقطاب بين القوى الكبرى، مشيرا إلى أن النظام متعدد الأطراف يمثل بالنسبة للدول المتوسطة والصغيرة أداة مهمة لتوسيع هامش الحركة وحماية المصالح وإيصال صوتها إلى دوائر صنع القرار.
وأوضح أن تراجع فاعلية العمل متعدد الأطراف لا يقلل من أهميته بالنسبة لدولة قطر، بل قد يتيح مساحة أكبر أمام الدول القادرة على بناء الجسور وتقريب وجهات النظر والعمل مع الكتل المختلفة، بما يعزز قدرتها على الإسهام في صياغة التوافقات الدولية.
ورأى الدكتور العتيبي أن انتقال قطر من المشاركة في المحافل الدولية إلى تولي مواقع داخل مؤسسات الأمم المتحدة، يعكس توسعا في أدوات دبلوماسيتها وليس استبدال نمط بآخر، موضحا أن هناك فارقا بين حضور الاجتماعات الدولية والمساهمة في صياغة أجندتها وقواعدها ومخرجاتها.
وأضاف أن تولي مواقع داخل المؤسسات الأممية يتيح لدولة قطر الانتقال من التفاعل مع القضايا الدولية بعد طرحها إلى الإسهام في تحديد الأولويات وصياغة الأطر التي يجري من خلالها التعامل معها، وهو ما يمثل مستوى أكثر تقدما من التأثير الدبلوماسي والمشاركة في تشكيل البيئة الدولية.
وأشار إلى أن من عناصر قوة الدبلوماسية القطرية قدرتها على الجمع بين العمل الميداني والمؤسسي، إذ توفر الوساطة خبرة مباشرة بالأزمات والأطراف وحدود التسويات الممكنة، فيما يتيح الحضور داخل المؤسسات الدولية توظيف هذه الخبرة في مبادرات وأطر تعاون أوسع، بما يعزز الإسهام في تطوير أدوات إدارة النزاعات والوقاية منها.
وأكد أن التأثير الدولي لا يرتبط بالحجم الجغرافي أو الديموغرافي للدولة بقدر ارتباطه بقدرتها على طرح الحلول وبناء الثقة وفتح قنوات التواصل بين الأطراف، لافتا إلى أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي تتيح مساحة أكبر للدول القادرة على التواصل مع أطراف متنافسة والعمل بعيدا عن الاستقطاب، خاصة في ملفات الوساطة والأمن الإقليمي والتنمية والعمل الإنساني.
ورأى الدكتور عبدالله بندر العتيبي الأستاذ المساعد في قسم العلاقات الدولية بكلية الآداب بجامعة قطر، في تصريحه لـ/قنا/، أن التحدي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل الحضور المتنامي إلى نفوذ مؤسسي مستدام، من خلال إعداد كوادر دبلوماسية وفنية متخصصة، وبناء تحالفات داخل المؤسسات الدولية، ومواصلة طرح مبادرات ذات قيمة عملية وأثر ملموس.
ويؤشر تطور الحضور القطري في اللجان والهيئات الأممية إلى أن الدبلوماسية متعددة الأطراف أصبحت أحد المسارات الرئيسية لتعزيز الحضور الدولي للدولة، فالانتخاب لمنصب مقرر في لجنة رئيسية من لجان الجمعية العامة، وتجديد العضوية في آليات حقوق الإنسان، والمشاركة في مجالس ولجان التنمية والعدالة الجنائية، إلى جانب الحضور النشط في مجلس حقوق الإنسان والهيئات القانونية الدولية، كلها مسارات مختلفة تلتقي عند هدف واحد يتمثل في تعزيز القدرة على المشاركة في صياغة الأجندة الدولية، كما تؤسس هذه المسيرة إلى تحول تدريجي من الحضور في قاعات الأمم المتحدة إلى المشاركة في آليات عملها، ومن طرح المواقف إلى الإسهام في إدارة النقاشات وصياغة الأطر الدولية، وهو ما يمنح الدبلوماسية القطرية مساحة أوسع للتفاعل مع القضايا التي تشكل مستقبل النظام الدولي.