أخبار
نقلة نوعية في منظومة التشريع خلال الفترة المقبلة

الدوحة – نشأت أمين:
أكد سعادةُ السيد إبراهيم بن علي المهندي، وزير العدل ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، مواكبة المنظومة التشريعية القطرية للتطورات التي يشهدها العالم على المستويات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية.
وكشف سعادته عن توجه لإحداث نقلة نوعية في منظومة التشريع خلال الفترة المُقبلة، من خلال الانتقال من مفهوم التشريع المبنيّ على الحاجة إلى التشريع القائم على تقييم الأثر التشريعي، موضحًا أن هذا التقييم يشمل الأثر المُسبق واللاحق، لقياس مدى تحقيق التشريع للغايات والأهداف التي صدر من أجلها.
جاءَ ذلك خلال الجلسة الحوارية التي نظمتها كلية المجتمع أمس، ضمن سلسلة «حوارات الرئيس»، وأدارها الدكتور خالد الحر، رئيس الكلية، تحت عنوان «العدالة ليست حكرًا على القانونيين».
وشدد سعادة وزير العدل ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء على أهمية معرفة الفرد بحقوقه وواجباته قبل أن يشعر بوجود ظلم أو غياب للعدالة، مبينًا أن المعلومات المُتعلقة بالحقوق والواجبات متاحة في دولة قطر، وأن العديد من القوانين والأنظمة تُلزم بالإفصاح عنها.
وأشار إلى أن وزارة العدل تعمل على نشر القوانين والتشريعات من خلال الجريدة الرسمية وموقع «الميزان»، موضحًا أن الوزارة تعمل حاليًا على تطوير الموقع ليكون أكثر سهولة في الاستخدام، بما يسهم في إيصال المعلومة القانونية إلى أفراد المُجتمع بصورة أكثر يسرًا. وأكد سعادته أن التحول الرقمي والتعاملات الإلكترونية أصبحا أمرًا حتميًا، مشيرًا إلى أن التطور التكنولوجي المتسارع يفرض مواصلة تطوير الخدمات وتحديث آليات تقديمها.
وقال: إن التعاملات الإلكترونية ينبغي النظر إليها باعتبارها وسيلة وليست غاية، موضحًا أن الهدف منها هو تقديم الخدمات بصورة أفضل وأسهل وأسرع، وبدرجة أكبر من الشفافية.
وشدد على ضرورة أن يبقى الإنسان في مركز العملية عند تطبيق التحول الرقمي، مؤكدًا أهمية المراجعة البشرية للمُخرجات التي يتم التوصل إليها باستخدام الوسائل الإلكترونية، وبصفة خاصة الذكاء الاصطناعي.
وأكد، في الوقت ذاته، أن التحول الرقمي لا ينبغي أن يؤدي إلى إغلاق القنوات أمام الأشخاص غير القادرين على الوصول إلى الخدمات الإلكترونية، مشددًا على ضرورة توفير البدائل التي تضمن وصول الجميع إلى الخدمات.
التوثيق يحفظ الحقوق
وأكد سعادة السيد إبراهيم بن علي المهندي أن القيم والسلوك الاجتماعي يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالحقوق والواجبات التي تنظم مختلف تعاملات أفراد المجتمع، مشيرًا إلى أن الإنسان يدخل في حياته اليومية في العديد من التصرفات والمُعاملات التي تخضع لأطر قانونية.وأوضح سعادته أن التوثيق لا يرتبط بحسن الظن أو سوء الظن بين أطراف العلاقة، وإنما يمثل وسيلة لتأطير العلاقات وحفظ حقوق جميع الأطراف، لافتًا إلى أنه كلما كانت التعاملات موثقة ومؤطرة ضمن إطارها القانوني الصحيح، كان ذلك أدعى إلى حفظ حقوق الفرد وصون مصالحه.
التطور التكنولوجي
أكد سعادة وزير العدل أن جهود مواكبة التطور التكنولوجي مُستمرة، مشيرًا إلى وجود العديد من القوانين التي تعزز هذا المجال، من بينها قانون الخدمات الإلكترونية، وقانون الجرائم الإلكترونية، وقانون خصوصية البيانات، إلى جانب القرارات الإدارية والخدمات والمشاريع الإلكترونية التي تقدمها مُختلف الجهات.وأوضح أن هناك حاجة إلى دعم بعض التشريعات، إلا أن المواكبة التشريعية قائمة، وأن التفاعل مع التطورات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية حاضر ومستمر.
منصة «شارك»
أكد سعادته أن قنوات المشاركة المُجتمعية في المجال التشريعي مُتعددة، مشيرًا إلى أن منصة «شارك» تمثل القناة الرئيسية حاليًا لاستطلاع آراء المجتمع حول التشريعات. وأوضح أن العمل بالمنصة في هذا المجال بدأ في سبتمبر 2024، وأن المرحلة المقبلة ستشهد التعامل مع المشاركة التشريعية بصورة أكثر مهنية واحترافية، بحيث لا تقتصر على مشروعات التشريعات الجديدة، وإنما تمتد إلى التشريعات القائمة.
وشدد على ضرورة أن تقوم المشاركة في إبداء الرأي حول التشريعات على الدقة والموضوعية والإنصاف، وألا تكون مبنية على تجربة شخصية أو مصلحة معينة، وإنما تستهدف المصلحة العامة للمجتمع.
مفهوم العدالة
أكد سعادته أن «العدالة تبدأ من الفرد نفسه»، موضحًا أن الشخص الذي يبدي ملاحظة على قانون أو تشريع مطالب بأن يتحرى الدقة والموضوعية والإنصاف. وأشار إلى أن مفهوم العدالة والإنصاف يقتضي أن يبدأ الإنسان بنفسه، وأن يسعى إلى احترام الحق وعدم التمسك بالأخطاء الإجرائية عندما يكون الحق الموضوعي واضحًا.
وفرّق بين العدالة والإنصاف، موضحًا أن تحقيق الإنصاف قد يتطلب أحيانًا معاملة مختلفة للأشخاص بحسب احتياجاتهم وقدراتهم، مشيرًا إلى أن معاملة الجميع بالطريقة نفسها لا تعني بالضرورة تحقيق الإنصاف.
الالتزام بالقوانين
وحول تحويل العدالة من مجرد التزام قانوني إلى ثقافة وممارسة مؤسسية، أكد سعادته أن ذلك يبدأ من القيادة والقدوة، مشيرًا إلى أهمية مبدأ «القدوة بالفعل».
وقال: إن تطبيق القانون والامتثال له يبدأ من الإنسان نفسه، سواء في المؤسسات الحكومية أو الجامعات أو الأسرة، موضحًا أن الالتزام بالقانون يمكن أن يتحول مع مرور الوقت إلى ثقافة اجتماعية وسلوك سائد.
وأشار إلى أن الالتزام بالقوانين يمثل أحد المؤشرات على طبيعة وثقافة المُجتمع، مبينًا أن الشركات التي تبحث عن فرص استثمارية تنظر أيضًا إلى القوانين والأنظمة السائدة في الدولة.
الذكاء الاصطناعي
وفيما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، أكد سعادته أنه يمثل «سلاحًا ذا حدين»، مشيرًا إلى أن الاستفادة منه تختلف بحسب خبرة المستخدم وقدرته على تقييم مخرجاته. وأوضح أن الأهم ليس مجرد معرفة كيفية التعامل مع الأداة، وإنما امتلاك القدرة على تقييم المخرج الذي تنتجه والتحقق من صحته قبل الاعتماد عليه.
وأشار إلى واقعة قضائية حديثة في مركز قطر للمال، تم خلالها التعامل مع استخدام الذكاء الاصطناعي بسبب سوء الاستخدام، موضحًا أن أحد المحامين استخدم التقنية وأعد مذكرات استشهد فيها بقضايا أو قوانين لم يكن لها وجود.
وكشف أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء تتبنى نموذجًا للذكاء الاصطناعي أطلق عليه «مستشار التشريع الذكي»، بهدف المساعدة في توليد التشريعات ومراجعتها وإجراء المقارنات بين التشريعات المقترحة محليًا والتشريعات المماثلة دوليًا.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة وسائل وليست غايات، وأنها وُجدت لتسهيل العمل ومساعدة الإنسان لا لتحل محله، مع بقاء العنصر البشري ضروريًا لتقييم المخرجات والتحقق من المعلومات من مصادرها الرسمية.
التخصص القانوني
أكد سعادته أن التخصص في المجال القانوني أصبح مطلوبًا في ظل تعدد المجالات القانونية وتطور المعاملات الاقتصادية والاجتماعية، مع أهمية امتلاك القانوني الحد الأدنى من المعرفة العامة بمختلف فروع القانون.
وأشار إلى أن وزارة العدل تعمل، من خلال مركز الدراسات القانونية والقضائية، على إعداد مسارات متخصصة للقانونيين في الجهات الحكومية.
وأكد كذلك أن التحول الرقمي يمثل نموذجًا واضحًا على أهمية تكامل التخصصات، موضحًا أن تنفيذه لا يقوم به القانوني وحده، وإنما يشارك فيه مهندس نظم المعلومات وغيرهم من المتخصصين، إلى جانب الحاجة إلى مساندة إدارية متخصصة في إعادة هندسة العمل والإجراءات.
خفض النزاعات
أوضح سعادته أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن عدم وجود قانون ينظم إجراءً أو خدمة لا يعني بالضرورة عدم جوازها، مؤكدًا أهمية الابتعاد عن التضخم التشريعي والاستغناء عن القوانين التي لا تُطبّق، بدلًا من إصدار تشريعات جديدة.
وأشار إلى أن البدائل قد تتمثل في القرارات الإدارية التي تصدرها الوزارات أو المسؤولون في حدود اختصاصاتهم، إلى جانب البدائل الإلكترونية التي تتيح تقديم الخدمات بصورة مباشرة ومبسطة.
وأكد أن نشر الثقافة القانونية ومعرفة الحقوق والواجبات يسهمان في تجنب الخلافات قبل وقوعها، مشيرًا إلى أن الطريق إلى خفض النزاعات يبدأ بمعرفة الحقوق والواجبات.
واختتم سعادته بالتأكيد على أهمية تعزيز العدالة والإنصاف والوعي القانوني، وترسيخ هذه القيم لدى أفراد المُجتمع ومؤسساته.