مقالات وبحوث
تلفزيون قطر.. 56 عامًا من الشاشة إلى منظومة إعلامية تحترم هويتها

بقلم: رئيس التحرير
في الخامس عشر من أغسطس عام 1970، انطلقت من الدوحة أولى إشارات تلفزيون قطر، ولم يكن أحد يومها يتصور حجم التحولات التي ستشهدها قطر خلال العقود التالية، ولا المكانة التي ستصل إليها في السياسة والاقتصاد والرياضة والثقافة والإعلام. واليوم، وبعد 56 عامًا، لا نحتفل بمجرد ذكرى تأسيس محطة تلفزيونية، وإنما نتوقف أمام مسيرة إعلامية رافقت بناء دولة وتحولات مجتمع، وحفظت بالصوت والصورة جانبًا مهمًا من ذاكرة قطر والخليج.
بدأ التلفزيون بإمكانات عصره وبالبث بالأبيض والأسود، ثم دخل مرحلة البث الملون، وتطورت الاستوديوهات والأجهزة والبرامج، حتى أصبحت الشاشة القطرية اليوم مختلفة تمامًا عما كانت عليه في البدايات، لكن الأهم من تطور التقنية أن الرسالة نفسها تطورت واتسعت دون أن تفقد هويتها.
وجاء تأسيس المؤسسة القطرية للإعلام عام 2009 ليضع الإعلام الرسمي تحت مظلة أكثر اتساعًا وتنظيمًا، فهي تضم اليوم تلفزيون قطر ومجموعة قنوات الكأس الرياضية، إلى جانب شبكة واسعة من الإذاعات القطرية، في مقدمتها إذاعة قطر، وإذاعة القرآن الكريم، وصوت الخليج، فضلًا عن إذاعات قطرية تخاطب الجمهور بلغات متعددة، منها QBS باللغة الإنجليزية، وأوريكس باللغة الفرنسية، وهولا قطر باللغة الإسبانية، وإذاعة الأوردو؛ في تجربة تعكس حرص قطر على مخاطبة مجتمعها المتعدد ونقل صوتها وثقافتها إلى جمهور أوسع،ك.
واللافت أن المؤسسة تختصر فلسفتها في شعار جميل: «نواكب الجديد وبقيمنا نلتزم»، وهو في رأيي ليس مجرد شعار، بل وصف دقيق لما يميز جانبًا كبيرًا من الإعلام القطري الرسمي.
ولم يتوقف التوسع.. ففي عام 2026 أطلقت المؤسسة قناة قطر للقرآن الكريم، ضمن توجهها نحو القنوات التخصصية الهادفة، لتقديم التلاوات وإبراز القراء القطريين وخدمة كتاب الله، مع توظيف أحدث تقنيات التسجيل والبث، وهو مشروع يستحق الإشادة، خصوصًا أن المؤسسة أعلنت بوضوح أن من أهدافه تعزيز الهوية وترسيخ القيم.
وفي المجال الرياضي، صنعت قنوات الكأس حضورًا قطريًا وخليجيًا وعربيًا واضحًا، ولم تعد مجرد قنوات تنقل المباريات، وإنما أصبحت مدرسة في البرامج والتحليل والتغطيات الرياضية، ويأتي برنامج «المجلس»، الذي يقدمه الإعلامي خالد جاسم، نموذجًا معروفًا لدى المشاهد الخليجي والعربي؛ فهو مجلس رياضي حقيقي يجمع المحللين والمختصين ويناقش قضايا كرة القدم القطرية والخليجية والعربية، وأصبح على مدى سنوات واحدًا من أشهر البرامج الرياضية الحوارية في المنطقة.
وبجوار هذه المنظومة تبرز قناة الريان الفضائية، والتي تشكل جزءًا مهمًا من المشهد الإعلامي الوطني القطري، وقد بنت الريان شخصيتها على الاقتراب من المجتمع والتراث والعادات والتقاليد، وقدمت البرامج اليومية والأسبوعية والوثائقية وبرامج المناسبات، إلى جانب اهتمام واضح بالأسرة والطفل.
وهنا أصل إلى نقطة أعتقد أنها تستحق الإشادة بصورة خاصة: المحافظة على الهوية القطرية والخليجية في الشاشة.
فمن الجميل أن ترى الإعلامي القطري معتزًا بزيه الوطني، بالغترة والعقال والثوب، وأن ترى المذيعات بإطلالة محتشمة وراقية، وأن يبقى الشكل العام للشاشة منسجمًا مع طبيعة المجتمع الذي تخاطبه، والمسألة ليست غترة وعقالًا أو حجابًا ولباسًا محتشمًا فحسب؛ إنها رسالة أعمق تقول إن بإمكاننا أن نصنع إعلامًا حديثًا ومتطورًا ومنافسًا، من دون أن نضطر إلى التخلي عن هويتنا حتى نثبت أننا معاصرون.
وهذه معادلة مهمة جدًا، فالإعلام يدخل البيوت بلا استئذان، ويشاهده الأب والأم والأبناء والأطفال، ولذلك فإن احترام قيم الأسرة ليس تراجعًا عن الحداثة، وإنما احترام للمشاهد ولخصوصية المجتمع.
ومن هنا أصبحت القنوات القطرية الرسمية، ومعها عدد من القنوات الوطنية القطرية، من الشاشات التي تجد قبولًا لدى كثير من الأسر الخليجية، ويمكن للأسرة أن تضعها ضمن قنواتها الأساسية وهي مطمئنة إلى المستوى العام للصورة والمحتوى واحترام الخصوصية الخليجية.
وقد أثبتت قطر أن بناء إعلام قوي لا يعني قناة واحدة، فهناك التلفزيون العام، والرياضة، والقرآن الكريم، والاقتصاد، والإذاعات المتخصصة، والريان ببرامجها الاجتماعية والتراثية، والمنصات الرقمية التي باتت تخاطب جيلًا جديدًا لا ينتظر موعد نشرة الثامنة ولا يجلس بالضرورة أمام شاشة التلفزيون التقليدية.
إنها رحلة بدأت بشاشة صغيرة عام 1970، ثم اتسعت مع اتساع قطر وطموحاتها.
وفي الذكرى السادسة والخمسين لتلفزيون قطر، تستحق هذه التجربة التهنئة، ويستحق جميع من عملوا أمام الكاميرا وخلفها على امتداد أكثر من نصف قرن كلمة شكر وتقدير.
كل عام وقطر وأهلها بخير، وكل عام وإعلامها أكثر نجاحًا وتألقًا، والتحية الأكبر لكل من آمن بأننا نستطيع أن نواكب العالم، وننافسه، ونستخدم أحدث تقنياته، ونظل في الوقت نفسه كما نحن… معتزين بديننا، وقيمنا، ولباسنا، ولهجتنا، وتراثنا، وهويتنا الخليجية الأصيلة.