أخبار

وسائل التواصل تنشر مفاهيم نفسية واجتماعية غير دقيقة

الدوحة – أشرف مصطفى:

حَذَّرَت آمنة النعيمي، الباحث الاجتماعي بمركز دعم الصحة السلوكية، من التأثير المتزايد للكلمات والمصطلحات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل قناعات الأفراد وسلوكياتهم، مؤكدة أن الانتشار السريع لبعض المفاهيم النفسية والاجتماعية أسهم في رفع مستوى الوعي بقضايا الصحة النفسية، لكنه أدى في المقابل إلى تداول مفاهيم غير دقيقة واستخدامها خارج سياقاتها العلمية الصحيحة.

وقالت النعيمي لـ الراية إن الكلمات لا تقتصر على كونها وسيلة للتواصل، بل تمثل عاملًا مؤثرًا في بناء مفهوم الذات وتشكيل الصورة الذهنية التي يكونها الإنسان عن نفسه والآخرين، مشيرة إلى أن تكرار الأوصاف والعبارات منذ الطفولة يترك آثارًا عميقة على الثقة بالنفس والقدرة على الإنجاز.

وأوضحت أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم مصدرًا رئيسيًا لإنتاج المصطلحات ونشرها على نطاق واسع، الأمر الذي ساهم في ترسيخ بعض المفاهيم الاجتماعية والنفسية لدى المستخدمين دون التحقق من دقتها أو فهم أبعادها الحقيقية، لافتة إلى أن بعض المصطلحات تحولت من أدوات للفهم والتحليل إلى وسائل جاهزة لتصنيف الأشخاص والعلاقات.

وأضافت أن مصطلحات شائعة مثل «ريد فلاق» و»توكسيك» باتت تُستخدم بكثرة في الفضاء الرقمي، وأحيانًا دون إدراك لمعانيها الأصلية أو السياقات التي صيغت من أجلها، ما يؤدي إلى إطلاق الأحكام على الأفراد والمواقف بصورة مبسطة قد تفتقر إلى الموضوعية والدقة.

وأكدت أن المشكلة لا تكمن في انتشار المصطلحات بحد ذاته، وإنما في توظيفها بصورة خاطئة وتحويلها إلى مبررات للسلوك أو تفسيرات جاهزة للمواقف الحياتية، موضحة أن تكرار استخدام مصطلح معين في البيئة المحيطة بالفرد يجعله يتبنى المعاني المرتبطة به تدريجيًا وينظر إلى نفسه والآخرين من خلال هذا الإطار الفكري. وفي السياق ذاته، أشارت إلى أن عددًا من المصطلحات النفسية المتداولة بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يتم استخدامها بصورة غير علمية، حيث يصف بعض الأشخاص أنفسهم بالاكتئاب أو الرهاب الاجتماعي أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه استنادًا إلى أعراض عابرة أو مشاعر مؤقتة، رغم أن هذه الحالات تحتاج إلى تشخيص متخصص ومعايير علمية محددة.

وبيّنت أن الدراسات النفسية تشير إلى أن الدماغ يتفاعل بصورة مباشرة مع الكلمات والعبارات التي يسمعها الإنسان أو يكررها لنفسه، حيث تنشط هذه الكلمات مناطق مرتبطة بالمشاعر والذاكرة والسلوك، ما يجعل العبارات السلبية عاملًا معززًا للقلق والتردد وضعف الثقة بالنفس، في حين تسهم العبارات الإيجابية في رفع الدافعية وتعزيز الشعور بالكفاءة.

ولفتت إلى أن الكلمات السلبية غالبًا ما تترك أثرًا أعمق في الذاكرة مقارنة بالكلمات الإيجابية، نتيجة ميل الدماغ الطبيعي إلى التركيز على المثيرات المرتبطة بالحذر والبقاء، الأمر الذي يجعل بعض العبارات الجارحة تظل عالقة في الذهن لسنوات طويلة.

وأكدت النعيمي أن الأطفال يعدون الفئة الأكثر تأثرًا بالكلمات والأوصاف المتكررة، موضحة أن وصف الطفل باستمرار بأنه غير مسؤول أو ضعيف أو بطيء الاستيعاب قد يؤدي مع الوقت إلى ترسيخ هذه الصورة في ذهنه وتحويلها إلى جزء من هويته الذاتية، بينما تسهم العبارات الداعمة والتشجيعية في بناء شخصية أكثر ثقة ومرونة وقدرة على التعلم والتطور.

ودعت إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية انتقاء الكلمات والمصطلحات المتداولة، والتعامل بحذر مع المحتوى المنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بالمفاهيم النفسية والاجتماعية، بما يضمن الاستفادة من المعرفة الصحيحة وتجنب الوقوع في التعميمات والتصنيفات غير الدقيقة.    

اترك تعليقاً

إغلاق