أخبار

التفوق وحده لا يكفي للاستفادة من «نظام التسارع»

الدوحة – إبراهيم صلاح:

أَكَّدَ عددٌ من الخبراء التربويين والمُتخصصين في الإرشاد النفسي، أن الاستفادة من «نظام التسارع» الذي أتاحته وزارةُ التربية والتعليم والتعليم العالي كفرصة تعليميّة للطلاب لا ترتبط بالتفوّق الأكاديمي وحده، وإنما تستلزم توافر مقوّمات نفسية واجتماعية وسلوكية تضمن قدرة الطالب على التكيّف مع متطلبات الانتقال إلى صف دراسي أعلى، مشدّدين على أن قرار الالتحاق بالنظام يجب أن يسبقه تقييم علمي متكامل لقدرات الطالب وجاهزيته الحقيقية لخوض التجرِبة.

وأضافوا إن «نظام التسارع» من المبادرات النوعيّة التي تعكس اهتمام الدولة برعاية الطلبة الموهوبين وأصحاب القدرات الاستثنائيّة، من خلال توفير مسارات تعليمية مرنة تراعي الفروق الفردية، وتمنح الطلبة المؤهلين فرصة التقدّم في مسيرتهم الأكاديمية وَفق ضوابط ومعايير دقيقة تُحقق مصلحتهم التعليميّة والنفسيّة.

وأشاروا إلى أن النظام لا يستهدف جميع الطلبة المتفوقين، وإنما فئة تمتلك قدرات معرفية عالية واستعدادًا نفسيًا واجتماعيًا يؤهلها لخوض تجرِبة الانتقال إلى صف دراسي أعلى، مؤكدين أن اختصار عام دراسي لا ينبغي النظر إليه باعتباره هدفًا بحد ذاته، وإنما وسيلة لتوفير بيئة تعليميّة أكثر ملاءمة للطالب الذي تجاوز مستوى أقرانه وأصبح بحاجة إلى تحديات تعليمية أكبر تحافظ على شغفه بالتعلم وتدفعه إلى مواصلة الإبداع والتميّز.

وأوضحوا أن نجاح تجرِبة التسارع يعتمد على مجموعة من العوامل المتكاملة، يأتي في مقدمتها التقييم الشامل لقدرات الطالب، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى درجاته المدرسية أو نتائجه في الاختبارات، مشيرين إلى أن التفوق الأكاديمي يمثل جانبًا مهمًا، لكنه لا يكفي وحده لاتخاذ قرار مصيري يتعلق بمستقبل الطالب الدراسي، في ظل وجود عوامل أخرى ترتبط بالنضج النفسي والقدرة على التكيف الاجتماعي وتحمّل المسؤولية.

وأكدوا أن الطالب الذي سينتقل إلى صف أعلى سيجد نفسه في بيئة تعليمية جديدة تضم زملاء أكبر منه عمرًا، وقد يواجه مناهج أكثر عمقًا ومتطلبات أكاديمية مختلفة، وهو ما يستدعي امتلاكه شخصية قادرة على التكيف مع المتغيرات والتعامل بإيجابية مع التحديات الجديدة، لافتين إلى أن الاستعداد النفسي يمثل عنصرًا لا يقل أهمية عن الاستعداد العلمي في مثل هذه التجارِب.

وأشارَ الخبراء إلى أن الأسرة تتحمل مسؤولية كبيرة قبل اتخاذ قرار التقديم، من خلال تقييم استعداد أبنائها بصورة واقعية بعيدًا عن الحماس أو الرغبة في تحقيق إنجاز سريع، مؤكدين أن الحوار المفتوح مع الطالب والاستماع إلى آرائه وطموحاته ومخاوفه يساعد على اتخاذ القرار الصحيح، ويمنحه شعورًا بالمشاركة والثقة، وهو ما ينعكس إيجابًا على أدائه إذا تمَّ قَبوله في النظام.

وأوضحوا أن بعض أولياء الأمور يربطون بين ارتفاع درجات أبنائهم وأحقيتهم المباشرة في الالتحاق بنظام التسارع، بينما تؤكد الممارسات التربوية أن الطالب قد يكون متفوقًا أكاديميًا، لكنه غير مستعد نفسيًا أو اجتماعيًا للانتقال إلى صف أعلى، الأمر الذي قد يؤدّي إلى تعرّضه لضغوط تؤثر في ثقته بنفسه ومستواه الدراسي، وهو ما يستدعي التعامل مع القرار بمنظور تربوي متكامل يوازن بين جميع الجوانب.

وأكدوا أن فترة الإجازة الصيفية تُمثل فرصة مُناسبة للاستعداد لاختبارات القبول، من خلال مراجعة المناهج الدراسية بصورة منظمة، والتركيز على الفَهم وتنمية المهارات الأساسية، وليس الاعتماد على الحفظ أو الدراسة المكثفة التي قد تولد الضغوط لدى الطالب، مشيرين إلى أن الاستعداد الجيّد يسهم في تعزيز ثقة الطالب بنفسه ويزيد من فرص نجاحه في اجتياز الاختبارات.

مهارات تراكمية

وأشاروا إلى أن المواد الأساسية، وفي مقدمتها الرياضيات والعلوم واللغتان العربية والإنجليزية، تعتمد على تراكم المهارات والمعارف، الأمر الذي يجعل من الضروري التأكد من إتقان الطالب لجميع المفاهيم الرئيسة قبل انتقاله إلى الصف الأعلى، حتى لا يواجه صعوبات أكاديمية مستقبلًا نتيجة وجود فجوات معرفية في المراحل السابقة.

وأوضحوا أن اجتياز اختبارات القبول لا يمثل نهاية المطاف، وإنما بداية مرحلة جديدة تتطلب بذل المزيد من الجهد، حيث سيواجه الطالب مستوى أعلى من التحديات الأكاديمية، الأمر الذي يستدعي استمراره في تطوير مهاراته وتنظيم وقته والاستفادة من الدعم الذي توفره الأسرة والمدرسة على حد سواء.

قرار مشترك

وأكدَ الخبراء أن إشراك الطالب في قرار الالتحاق بنظام التسارع يعد من أهم مقوّمات نجاح التجرِبة، مشيرين إلى أن شعور الطالب بأن القرار نابع من رغبته وقناعته الشخصية يعزز ثقته بنفسه ويزيد من قدرته على تحمل المسؤولية، بينما قد يؤدي فرض القرار عليه دون اقتناع إلى نتائج عكسية تؤثر في دافعيته نحو التعلم. وأوضحوا أن بعض الطلبة قد يشعرون بالقلق من الانتقال إلى بيئة تعليمية جديدة أو الابتعاد عن أصدقائهم الذين اعتادوا الدراسة معهم، وهو أمر طبيعي ينبغي أن يحظى بتفهم الأسرة والمعلمين، مؤكدين أن الحوار المستمر مع الطالب والإجابة عن تساؤلاته وطمأنته بشأن طبيعة المرحلة المقبلة يسهم في تخفيف مخاوفه ويجعله أكثر استعدادًا لخوض التجرِبة.

وأشاروا إلى أن المرحلة الأولى بعد انتقال الطالب إلى الصف الأعلى تُعد الأكثر أهمية، لأنها تشكّل الفترة التي يبدأ خلالها في تكوين انطباعه عن البيئة الجديدة، وبناء عَلاقاته مع زملائه ومعلميه، والتكيف مع المناهج الدراسية الأكثر تقدمًا، الأمر الذي يتطلب متابعة مستمرة من الأسرة والمدرسة لرصد أي تحديات قد تواجهه والعمل على مُعالجتها في وقت مبكر.

وأكدوا أن الدعم النفسي خلال الأسابيع الأولى يعد عاملًا رئيسيًا في نجاح الطالب، لافتين إلى أن بعض الطلبة قد يشعرون بأنهم الأصغر سنًا بين زملائهم أو يواجهون صعوبة في الاندماج الاجتماعي، وهو ما يستدعي تشجيعهم على المشاركة في الأنشطة المدرسيّة والبرامج اللاصفية التي تساعدهم على بناء عَلاقات جديدة وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.

مساندة أسرية

وأوضحوا أن من الطبيعي أن يلاحظ أولياء الأمور انخفاضًا نسبيًا في نتائج أبنائهم خلال الاختبارات الأولى بعد انتقالهم إلى الصف الأعلى، مؤكدين أن ذلك لا يعني فشل التجرِبة، وإنما يعد نتيجة طبيعية لاختلاف مستوى المناهج وارتفاع سقف التوقعات الأكاديمية، داعين الأسر إلى التعامل مع هذه المرحلة بهدوء، والتركيز على تشجيع الطالب وتحفيزه بدلًا من ممارسة الضغوط عليه.

وأشاروا إلى أن الدعم الأسري المُستمر يمثل أحد أهم عوامل النجاح، إذ يحتاج الطالب إلى من يسانده ويشجعه ويعزز ثقته بنفسه، خاصة خلال الأشهر الأولى، مؤكدين أن الكلمات الإيجابية والثناء على الجهد المبذول يتركان أثرًا كبيرًا في رفع الدافعية ومواصلة التفوق.

وأكدَ الخبراء أن فلسفة «نظام التسارع» تقوم على تحقيق العدالة التعليمية، من خلال توفير مسارات متنوّعة تراعي الفروق الفردية بين الطلبة، وتمنح أصحاب القدرات العالية فرصًا تتناسب مع إمكاناتهم، بما يسهم في استثمار طاقاتهم بصورة أفضل، ويمنع شعورهم بالملل الأكاديمي الذي قد ينتج عن بقائهم في مستويات دراسية لا تمثل تحديًا حقيقيًا لهم.

جودة التعليم

وأوضحوا أن التعليم لا يُقاس بعدد السنوات التي يقضيها الطالب في الدراسة، وإنما بجودة الخبرات التعليميّة التي يكتسبها، وبقدرته على تنمية مهارات التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية، مؤكدين أن نظام التسارع جاء لخدمة فئة محددة تمتلك مقوّمات واضحة تؤهلها للاستفادة منه وتحقيق أهدافه.

وأشاروا إلى أن اتخاذ قرار الالتحاق بالنظام يجب أن يستند إلى تقييم علمي متكامل يشمل المستوى الأكاديمي، والنضج النفسي، والقدرة على التكيف الاجتماعي، والرغبة الذاتية، والاستعداد لتحمل متطلبات المرحلة الجديدة، مؤكدين أن هذه العناصر مجتمعة هي التي تحدّد مدى جاهزية الطالب لخوض التجرِبة بنجاح.

وشددوا على أن استمرار الطالب في صفه الدراسي الطبيعي لا يعني مطلقًا تراجع مستواه أو ضياع فرص تميّزه، بل قد يكون الخِيار الأنسب في حال عدم اكتمال عناصر الجاهزية، مؤكدين أن الهدف الأساسي للمنظومة التعليمية يتمثل في بناء شخصية متوازنة تمتلك المعرفة والثقة والقدرة على التعلم المستمر، وليس مجرد اختصار السنوات الدراسيّة.

جاهزية متكاملة

واختتمَ الخبراء بالتأكيد على أن «نظام التسارع» يمثل إحدى المبادرات التعليمية الرائدة التي تعكس اهتمام وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي بتوفير بيئات تعليمية مرنة تستجيب لاختلاف قدرات الطلبة، داعين أولياء الأمور إلى دراسة القرار بعناية، والاستفادة من آراء المُختصين قبل التقديم، بما يضمن تحقيق المصلحة الفضلى للطالب، ويمكّنه من مواصلة رحلته التعليمية في بيئة تتوافق مع إمكاناته وتطلعاته المُستقبليّة.

اترك تعليقاً

إغلاق