أخبار
«فوالة العيد» رمز كرم الضيافة في المجتمع القطري

الدوحة – أشرف مصطفى:
أَكَّدَ عددٌ من الباحثين والمُختصين في التراث القطري أن «فوالة العيد» من أبرز مظاهر الضيافة الاجتماعية المُتجذرة في المجتمع، حيث ارتبطت منذ القدم بصباحات الأعياد واستقبال المُهنئين بمائدة عامرة بالأطباق الشعبية والحَلْوَيَات التقليدية، في صورة تعكس قيم الكرم والتآلف، وتعزّز أواصر التواصل بين الأسر والجيران في أجواء يغلب عليها الفرح والمودة.
وأوضحوا أن الفوالة لم تكن مجرد طعام يُقدَّم للضيوف، بل كانت ولا تزال مناسبة اجتماعية متكاملة تسهم في توثيق صلة الرحم وترسيخ روح الجماعة، إذ تجتمع العائلات حول مائدة واحدة، ويتبادل الناس التهاني في مشهد يُجسّد الهُوية الثقافية للمُجتمع القطري. وأشاروا إلى أن هذه العادة حافظت على حضورها رغم التحوّلات التي طرأت على أنماط الحياة، حيث شهدت تطورًا في المكوّنات وأساليب التقديم، مع بقاء جوهرها القائم على الكرم وحُسن الضيافة.
وفِي هذا السياق، أكدَ الخبير في التراث القطري عتيق السليطي أن عادة «فوالة العيد» تعد من العادات الاجتماعية الأصيلة التي تعكس عمق الموروث الثقافي، موضحًا أن أصل كلمة «الفوالة» يرتبط بـ «الفأل الحسن»، حيث كان المضيف يدعو ضيفه بعبارات تحمل معاني التفاؤل والترحيب، مثل «تفاول» و«فالك طيب»، في إشارة إلى حُسن الاستقبال وتمنّي الخير للضيف.
وبيّن السليطي أن الفوالة تختلف عن «القدوع»، الذي يقتصر عادة على تقديم التمر مع القهوة ولا يرتبط بمناسبة محددة، بينما تتسم الفوالة بتنوّع مكوناتها وارتباطها بالمناسبات، وعلى رأسها الأعياد. وأضافَ: إن الفوالة في الماضي كانت تضم أصنافًا متعددة من الحلويات والمأكولات الشعبية التي تُعد داخل البيوت، مثل الخبيص والبلاليط واللقيمات والخنفروش والنشاو والساقو، إلى جانب الرهش والحلوى، فضلًا عن بعض الفواكه المعلبة والكيك البسيط، وهي مكونات تعكس طبيعة الحياة آنذاك.
وأشارَ إلى أن أبرز التحوّلات التي طرأت على الفوالة في العصر الحديث تتعلق بأسلوب التقديم، حيث أصبحت الأطعمة تُقدَّم في عُلب صغيرة أنيقة أو بأشكال مبتكرة تراعي الذوق العصري، بما يسهم في الحفاظ على العادة مع تقديمها بصورة جاذبة، لافتًا إلى أن هذا التطور لم يُلغِ حضور الأطباق التقليدية، بل أعاد تقديمها بأساليب جديدة تتناسب مع متطلبات العصر.
كما لفتَ السليطي إلى أن الفوالة لم تكن مقتصرة على العيد فقط، بل كانت حاضرة في عدد من المناسبات الاجتماعية الأخرى، مثل استقبال المهنئين بالزواج، أو الترحيب بعودة الحاج أو المسافر، ما يعكس مكانتها كطقس اجتماعي راسخ يعبّر عن التآلف والتكافل داخل المجتمع.
رمز الأصالة
من جانبها، أكدت الباحثةُ في التراث الشعبي والمستشار الثقافي في الحي الثقافي كتارا سلمى النعيمي أن «فوالة العيد» تمثل رمزًا أصيلًا للترحيب بالضيف ودلالة واضحة على الكرم، مشيرة إلى أن الاحتفال بالعيد في قطر يرتبط بجملة من المظاهر الاجتماعية والثقافية، من بينها إعداد الفوالة التي تعكس الفرح بهذه المناسبة.
وأوضحت النعيمي أن الفوالة في الماضي كانت تعتمد بشكل رئيسي على الحلويات المنزلية المصنوعة من الدقيق ومشتقاته، مثل العصيدة والبثيث وقرص العقيلي وقرص المحلى والبلاليط والساقو، إضافة إلى اللقيمات التي تعد من أبرز الأطباق الشعبية المرتبطة بالمناسبات. كما أشارت إلى أن بعض البيوت كانت تضيف أصنافًا أخرى مثل الحلوى والرهش والزلابية، وأحيانًا الفواكه، وَفق الإمكانات المتاحة.
وبيّنت أن التطوّر الاقتصادي واتساع النشاط التِجاري أسهما في إحداث نقلة نوعية في مكوّنات الفوالة، حيث انتشرت المحلات والمخابز التي تقدم أنواعًا متعددة من الحلويات الشرقية والغربية، مثل الكيك والبيتي فور، ما أتاح تنوعًا أكبر يلبّي مختلف الأذواق، ويعكس التحولات التي شهدها المجتمع القطري في أنماط الاستهلاك.
وأكدت النعيمي أن الفوالة، رغم هذا التنوّع، لا تزال تحتفظ بدلالاتها الثقافية والاجتماعية، فهي تعبير عن الكرم وحُسن الضيافة، كما تعكس مشاعر الفرح والسعادة، وتسهم في تعزيز الروابط الأسرية من خلال اجتماع العائلات حول مائدة واحدة، وتبادل الأحاديث والتهاني.
وأشارت إلى أن طريقة تقديم الفوالة في الماضي كانت بسيطة، حيث توضع الأطعمة في صحون توزّع على سفرة دائرية مصنوعة من السعف، أو في صينية معدنية كبيرة توضع في وسط المجلس، سواء في مجلس الرجال أو النساء، بينما أصبحت اليوم تقدم بأساليب أكثر تنظيمًا وأناقة، دون أن تفقد روحها التقليدية.
البساطة والكرم
بدوره، أوضحَ الباحث في التراث القطري خليفة السيد أن فوالة العيد كانت تُعد منذ الصباح الباكر، حيث يحرص أهل البيت على استقبال المهنئين بأفضل ما لديهم من أطعمة، في مشهد يجمع بين البساطة والكرم. وأضاف: إن الفوالة كانت تنقسم قديمًا إلى نوعين، صيفية وشَتوية، تبعًا لطبيعة المُناخ.
وأشارَ إلى أنه في فصل الصيف كان يقدم طبق «أم بريد»، وهو نوع من اليقط البارد المصنوع من لبن الأبقار ويؤكل مع التمر، إلى جانب بعض الأكلات الخفيفة المصنوعة من الدقيق، مثل اللقيمات وقرص العقيلي. أما في فصل الشتاء، فكانت المائدة تزداد تنوعًا، حيث تشمل العصيدة مع البيض والحُلبة، والهريس المصنوع من القمح، إضافة إلى الأطعمة الدافئة التي تعتمد على التوابل مثل الزنجبيل والفلفل، ومنها المرقوقة.
وبيّن السيد أن الفوالة كانت تعكس تفاوت الإمكانات المادية بين الأسر، حيث يكتفي البعض بالأصناف الأساسية، بينما يضيف آخرون مزيدًا من التنوّع بحسب قدرتهم، إلا أن الجميع يشتركون في الحرص على إكرام الضيف وتقديم أفضل ما لديهم.
ولفتَ إلى أن أسلوب تقديم الفوالة شهد تغيرًا ملحوظًا، إذ كانت الأطعمة توضع في أوانٍ تقليدية على الأرض أو على سفرة بسيطة، بينما أصبحت اليوم تُعرض بطرق حديثة داخل عُلب فاخرة أو أطباق مزينة، مع دخول أصناف جديدة من الحلويات مثل البقلاوة والكنافة، ما أضفى على الفوالة طابعًا معاصرًا.
الفوالة اليوم أكثر تنوعًا لكنها فقدت دفء البساطة القديمة
وأكدت أمل الهيدوس، صاحبة مشروع متخصص في الأكلات الشعبية، أن فوالة العيد شهدت تحولات كبيرة بين الماضي والحاضر، موضحة أن الفوالة في السابق كانت تعتمد بشكل أساسي على الأطباق التقليدية التي تُعد داخل المنازل، مثل الهريس والثريد واللقيمات والخنفروش والعصيدة، إلى جانب القهوة العربية التي كانت تتصدر مشهد الضيافة.
وأوضحت أن إعداد الفوالة كان يتم يدويًا وبمشاركة جماعية من نساء العائلة، في أجواء يغلب عليها التعاون وروح الألفة، حيث مثلت أجواء اجتماعية تعزز الترابط الأسري وتمنح المناسبة طابعًا خاصًا من الدفء والبساطة.
وأضافت: إن فوالة العيد في الوقت الحاضر شهدت تطورًا ملحوظًا، إذ لم تعد تقتصر على المنازل، بل أصبحت تُقام في الاستراحات والمطاعم والفنادق، مع تنوّع كبير في الأطعمة التي تشمل المأكولات المحلية والعالمية، ما يعكس انفتاح المجتمع وتغير أنماط الحياة.
وبيّنت أن هذا التطوّر صاحبه اعتماد متزايد على الطلبات الجاهزة وخدمات الضيافة، الأمر الذي خفف من الأعباء المنزلية، لكنه في الوقت ذاته قلل من المشاركة العائلية في إعداد الفوالة، مقارنة بما كان عليه الحال في السابق، مشيرة إلى أن الفوالة رغم هذا التنوّع والتطوّر، لا تزال تحتفظ بجوهرها كرمز للكرم وحُسن الاستقبال، وإن اختلفت تفاصيلها من جيل إلى آخر.