غير مصنف
بين الحرب على إيران وأوهام إعادة تشكيل الشرق الأوسط

بقلم: رئيس التحرير
في كل مرة تندلع حرب في الشرق الأوسط يعود الحديث عن «شرق أوسط جديد»، لكن التاريخ يقول إن هذه المنطقة لا يعاد تشكيلها بسهولة.
ولعل التاريخ القريب يقدّم دروسًا واضحة في هذا السياق، فالمشروعات التي رُوّج لها في السابق لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى وصولًا إلى التدخلات العسكرية في العقود الأخيرة، لم تؤدِّ إلى استقرار دائم بقدر ما أنتجت طبقات جديدة من الأزمات والتوازنات الهشة.
في الوقت الذي تعيش فيه مجتمعاتنا الأجواء الروحية، تمر منطقتنا بمرحلة جيوسياسية شديدة الحساسية مع تصاعد التوتر حول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب عليها من تغيرات في موازين القوى في الشرق الأوسط، وقد بدأت مراكز التفكير الغربية بالفعل في طرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه الحرب، إن توسعت، ستقود فعلًا إلى شرق أوسط جديد كما تتخيله بعض الدوائر السياسية، أم أنها ستفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا من الاضطرابات.
الخبرة التاريخية في المنطقة تشير إلى أن الحروب الكبرى نادرًا ما تحقق الأهداف السياسية المعلنة لها، فإسقاط الأنظمة أو إضعاف الدول بالقوة العسكرية لا يعني بالضرورة بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا، بل إن التجارب الحديثة، من العراق إلى ليبيا إلى أفغانستان، أظهرت أن ما يحدث غالبًا هو العكس، حيث ينشأ فراغ في السلطة يفتح المجال لصراعات داخلية وصعود قوى مسلحة جديدة وتدخلات إقليمية متنافسة.
ولا شك أن إيران لعبت خلال العقود الماضية دورًا مهمًا في تعقيد المشهد الإقليمي، عبر دعم حلفاء محليين في بعض الدول المجاورة، وبناء شبكات نفوذ في عدد من دول المنطقة، مستندة في ذلك إلى عقيدة “ولاية الفقيه” التي أقرّتها في دستورها، والتي تقوم في جوهرها على فكرة تصدير الثورة خارج حدودها.
غير أن اختزال أزمات الشرق الأوسط كلها في العامل الإيراني وحده لا يعكس الصورة الكاملة للواقع، فهذه المنطقة تعيش منذ عقود صراعات متشابكة ذات جذور تاريخية وقومية واقتصادية، تجعل أي محاولة لإعادة تشكيلها بالقوة العسكرية مغامرة غير محسوبة النتائج.
وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأن إضعاف إيران عسكريًا سيؤدي تلقائيًا إلى اختفاء القوى المتحالفة معها يبدو افتراضًا مبسطًا، فكثير من هذه القوى أصبح يمتلك بنية سياسية وعسكرية داخلية مرتبطة بواقع دولها، وليس فقط بالدعم الخارجي، ولهذا فإن أي تغيير كبير في ميزان القوى قد يعيد تشكيل المشهد لكنه لن ينهيه بالكامل.
غير أن أخطر ما في هذه الحرب المحتملة لا يتعلق فقط بالشرق الأوسط، بل بآثارها على النظام الدولي والاقتصاد العالمي، فتعطّل الملاحة في مضيق هرمز أو تهديد منشآت الطاقة في الخليج يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، خاصة إذا علمنا أن ما يقارب ثلث تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا تمر عبر هذا الممر الحيوي، وأي اضطراب فيه كفيل بدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، وإرباك الاقتصاد العالمي في وقت يعاني فيه أصلًا من ضغوط تضخمية وأزمات إمداد.
لكن المفارقة أن استمرار التوتر قد يحمل فوائد استراتيجية غير مباشرة لبعض القوى الدولية، فروسيا التي كانت تواجه ضغوطًا أوروبية متزايدة لوقف استيراد الغاز الروسي، قد تستفيد من أي اضطراب في إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، فإذا اضطرت دول منتجة للطاقة إلى تقليص صادراتها مؤقتًا بسبب المخاطر الأمنية، كما حصل مع قطر، فقد تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى تأجيل قراراتها والعودة إلى الاعتماد على الغاز الروسي لفترة أطول مما كان مخططًا له.
أما الصين، فإن استمرار اشتعال المنطقة قد يمنحها هامشًا استراتيجيًا مهمًا، إذ إن انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يخفف من ضغوطها في شرق آسيا، حيث تتصاعد المنافسة حول بحر الصين الجنوبي وقضية تايوان، وفي توازنات السياسة الدولية كثيرًا ما تستفيد القوى الكبرى من انشغال منافسيها في جبهات أخرى.
وفي عالم السياسة الدولية لا تُقاس نتائج الحروب فقط بما يحدث في ميادين القتال، بل بما تخلقه من تحولات في موازين القوى العالمية؛ فقد يخرج لاعبون من المعركة بخسائر مباشرة، بينما يحقق آخرون مكاسب استراتيجية غير متوقعة.
ومن جهة أخرى، فإن اتساع دائرة التوتر في المنطقة قد يدفع بعض دول الخليج إلى زيادة إنفاقها الدفاعي بشكل كبير، وهو ما يعني عمليًا ازدهار سوق السلاح العالمي، خصوصًا الصناعات العسكرية الأمريكية، فالحروب الإقليمية كثيرًا ما تتحول إلى محركات اقتصادية لشركات السلاح، وهو جانب لا يمكن تجاهله في قراءة الاقتصاد السياسي للنزاعات الدولية.
وسط كل هذه التعقيدات، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن حقًا إعادة هندسة الشرق الأوسط بالقوة العسكرية؟ أم أن المنطقة، بتاريخها وتشابك مصالحها، أكبر من أي مشروع يراد فرضه عليها من الخارج؟
غير أن التطورات الأخيرة تطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاهله؛ فبينما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن استهداف دول الخليج سيتوقف، شهدت الأيام الماضية إطلاق مئات من الصواريخ والطائرات المسيّرة على الكويت وعدد من دول الخليج، ما أدى إلى سقوط ضحايا وتدمير مبانٍ مدنية.
هذا التناقض الصارخ بين الخطاب السياسي والواقع العسكري يثير تساؤلات حول طبيعة مراكز القرار داخل إيران، وهل ما زالت السلطة موحدة أم أن البلاد تشهد تعددًا في مراكز القرار بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، خصوصًا مع الدور المتنامي للحرس الثوري خلال الاضطرابات التي أعقبت مقتل عدد من القيادات العليا، كما أن بنية الحرس الثوري نفسها تقوم على نظام قيادة لامركزية، إذ تنتشر قواته عبر نحو 31 قيادة إقليمية داخل إيران، صُممت أساسًا لضمان استمرار العمليات حتى في حال تعطّل القيادة المركزية، وهذا النمط من التنظيم يسمح للوحدات الميدانية بالتحرك بسرعة في مواجهة ما تعتبره تهديدًا، وهو ما قد يفسر أحيانًا استمرار العمليات العسكرية رغم صدور تصريحات سياسية مهدئة يقابلها تصعيد عسكري على الأرض.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه إيران تحولًا سياسيًا حساسًا مع انتقال موقع القيادة إلى مجتبى خامنئي خلفًا لوالده علي خامنئي.
هذا التحول يفتح الباب أمام تساؤلات حول اتجاهات السياسة الإيرانية في المرحلة المقبلة: هل ستتجه القيادة الجديدة إلى تخفيف التوترات والانفتاح الاقتصادي، أم ستستمر في النهج الصدامي الذي طبع سياسات الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية؟ فبين ضغوط الداخل الاقتصادية وتوازنات النفوذ الإقليمي يبقى مستقبل الصراع مفتوحًا على عدة احتمالات.
فمن جهة، قد ترى القيادة الجديدة أن تخفيف التوتر مع الجوار الخليجي والانفتاح على الاقتصاد العالمي يمثل فرصة لإعادة بناء الاقتصاد الإيراني الذي يعاني ضغوط العقوبات والتضخم، وهو مسار قد يفتح الباب أمام مرحلة من البراغماتية السياسية وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية.
ومن جهة أخرى، فإن بنية النظام السياسي في إيران، والدور الكبير الذي يلعبه الحرس الثوري الإيراني في الأمن والسياسة والاقتصاد، قد يدفع باتجاه استمرار النهج التقليدي القائم على موازنة الضغوط الخارجية بتوسيع النفوذ الإقليمي.
وبين هذين المسارين يبقى مستقبل الصراع مفتوحًا على عدة احتمالات، يتوقف مسارها على قدرة القيادة الجديدة على الموازنة بين متطلبات الداخل الإيراني وضغوط البيئة الإقليمية والدولية.
وفي الوقت نفسه بدأت آثار هذا التصعيد تظهر بوضوح في الاقتصاد العالمي، حيث ارتفعت أسعار النفط وتجاوزت المائة دولار للبرميل مع تصاعد المخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يضع استقرار الخليج في قلب معادلة الأمن الاقتصادي العالمي، لأن أي اضطراب كبير في هذه المنطقة قد يقود إلى موجة ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة ويؤثر في الاقتصاد الدولي بأسره.
وفي ظل هذه المخاوف تشير تقديرات أسواق الطاقة إلى ثلاثة مسارات محتملة خلال الأسابيع المقبلة: فإما احتواء التوتر وعودة الأسعار إلى نطاق قريب من مئة دولار، أو استمرار التصعيد المحدود بما يدفع النفط إلى مستويات تتراوح بين 110 و130 دولارًا للبرميل، أو حدوث اضطراب كبير في الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو السيناريو الأخطر الذي قد يدفع الأسعار إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل ويُدخل الاقتصاد العالمي في صدمة طاقة جديدة.
إن تكرار هذا النوع من الاعتداءات يفرض على دول الخليج إعادة تقييم مقاربتها القائمة على ضبط النفس والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية، فالدبلوماسية تظل الخيار الأفضل ما دامت تحمي الأمن والاستقرار، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن حق الدول المشروع في الدفاع عن أراضيها وشعوبها، ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تتطلب موقفًا خليجيًا أكثر حزمًا يقوم على تعزيز الدفاعات المشتركة وتفعيل منظومات الردع الجماعي، وتطوير التنسيق الاستخباراتي والعسكري لتحديد منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف المدن والمنشآت الحيوية والعمل على تحييدها بدقة، سواء عبر الطيران الخليجي أو عبر الاستفادة من التقنيات المتقدمة في مجال الطائرات غير المأهولة بما في ذلك الطائرات المسيّرة التي طورتها تركيا في هذا المجال.
وقد أثبتت الحروب الحديثة أن الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة أصبحت عنصرًا حاسمًا في ميزان القوة. فقد اعتمدت أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا على استخدام أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة الصغيرة، خصوصًا طائرات FPV التي يمكن تصنيعها بتكلفة محدودة لكنها أثبتت قدرة كبيرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والاستهداف الدقيق. ومن هنا قد يكون من الحكمة أن تعمل دول الخليج على تطوير قدرات مماثلة تقوم على امتلاك أعداد كبيرة من هذه الطائرات إلى جانب منظومات الدفاع المتقدمة، خصوصًا في ظل عدم وضوح الحجم الحقيقي للترسانة التي راكمها النظام الإيراني من الصواريخ والطائرات المسيّرة خلال العقد الماضي.
ولعل التجربة التركية تقدم مثالًا مهمًا في هذا المجال؛ فطائرة بيرقدار TB2 التي أصبحت اليوم من أشهر الطائرات المسيّرة في العالم بدأت كمشروع هندسي قاده المهندس التركي سلجوق بيرقدار بدعم من الدولة والمؤسسات العسكرية، قبل أن تتحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أبرز رموز القوة العسكرية التركية. وهذا النموذج يوضح أن الأمن في عالم اليوم لا يُشترى فقط، بل يُصنع أيضًا عبر بناء صناعات دفاعية محلية وتشجيع الابتكار والاستثمار في عقول الشباب المبدعين.
كما أن استمرار استهداف المدن الخليجية يفتح باب التفكير في نقل الضغط إلى داخل إيران نفسها، فالدولة الإيرانية ليست كتلة متجانسة بل تضم قوميات متعددة عانت لعقود من سياسات النظام، مثل العرب في الأحواز والبلوش في جنوب شرق البلاد والأكراد في غربها، إضافة إلى قوى سياسية معارضة في الداخل والخارج، وهو ما يجعل دعم المسارات السياسية لتلك المكونات التي تسعى إلى التحرر من النظام الذي جثم على صدور شعوب إيران أكثر من أربعة عقود خيارًا قد يفرض نفسه إذا استمر من يدير المشهد الإيراني في هذا التصعيد، بحيث تصبح كلفة استهداف دول الخليج أعلى بكثير على من يتخذ قرار الحرب في طهران.
وهنا تبرز أهمية العودة إلى فهم أعمق للتاريخ والجغرافيا السياسية للمنطقة، لأن كثيرًا من الأزمات التي نشهدها اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لمسارات تاريخية وفكرية تشكلت عبر عقود طويلة. وذلك يتطلب قراءةً أعمق لتاريخ المنطقة وتوازناتها، ومن هنا جاء كتابنا الجديد: “إيران بين الخطاب المذهبي والاستراتيجية الجيوسياسية في الشرق الأوسط” ضمن “سلسلة كتب الجيب – أفكار تُقرأ في كل مكان”، ويهدف هذا الكتاب إلى تقديم قراءة مبسطة وشاملة لتاريخ إيران السياسي ودورها الإقليمي، من خلال فصول قصيرة تربط بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة المعاصرة.
ولهذا فإن أخطر ما في الحروب الكبرى ليس فقط ما تدمره في لحظتها، بل ما تتركه من فراغات سياسية وأمنية قد تعيد تشكيل المنطقة لسنوات طويلة بطريقة لم تكن في حسابات من أشعلوا الحرب.
فالسياسة الدولية لا تُقرأ بظاهر الأحداث فقط، بل بفهمٍ عميق للجغرافيا والتاريخ والمصالح، وربما يكون هذا الفهم هو الخطوة الأولى نحو قراءة أكثر واقعية لما يجري حولنا، بعيدًا عن المبالغات والأوهام التي كثيرًا ما تصاحب الحروب الكبرى.