أخبار

النقش على الجبس.. يزين المجالس والمساجد

الدوحة- شهد الكبسي:

فنُّ النقش على الجبس من أبرز الحرف التراثية التي ارتبطت بتاريخ العمارة العربية والإسلامية منذ القرن الحادي عشر الميلادي، حيث شكّل عنصرًا جماليًا رئيسيًا في تزيين المساجد والقصور والمنازل. وفي قطر، أصبح هذا الفن جزءًا أصيلًا من ملامح العمارة التقليدية، إذ زيّنت زخارفه اليدوية المجالس والبيوت القديمة والواجهات الداخلية، معبرةً عن الذوق الجمالي للمُجتمع القطري وارتباطه العميق بتراثه الثقافي.

ولم يكن الجبس مجرد مادة بناء، بل تحوّل بين أيدي الحرفيين إلى لوحات فنية متقنة تتداخل فيها النقوش الهندسية والنباتية بتناغم يعكس مهارة الحرفي وخبرته، ويمنح المكان طابعًا تراثيًا يجمع بين الجمال والهوية. وقد اعتمدت هذه الحرفة على مهارة يدوية دقيقة وخبرة متوارثة، حيث كان الحرفي يقضي ساعات طويلة في تنفيذ الزخارف باستخدام أدوات بسيطة تتطلب صبرًا وتركيزًا عاليين.

ورغم التغيرات التي شهدها قطاع البناء مع انتشار المواد الجاهزة والتصاميم الحديثة، لا يزال فن النقش على الجبس حاضرًا في المجالس والمباني التراثية، محافظًا على مكانته كأحد عناصر الهوية المعمارية القطرية، في ظل جهود مستمرة للحفاظ عليه وتعريف الأجيال الجديدة بقيمته الفنية والتاريخية.

حرفة متوارثة

الحرفي عبدالله، أحد الممارسين لهذه الحرفة، بدأ تعلم النقش على الجبس في سن مبكرة على يد شقيقه الأكبر، قبل أن يمارسها بشكل جدي في السادسة عشرة من عمره. ويؤكد أن الزخارف الجبسية كانت منتشرة في مُختلف مناطق قطر، خاصة في الدوحة والوكرة، حيث استخدمت في تزيين المجالس والمنازل والمساجد، وشكّلت جزءًا مهمًا من الطابع المعماري التقليدي.

يعتمد النقش على الجبس على أدوات تقليدية دقيقة مثل القوالب الخشبية، وأدوات الحفر، والسكين، والفرجار، والمِسطرة. وتبدأ عملية التنفيذ برسم التصميم على الورق وتحديد المقاسات، ثم نقلها إلى الجبس والبدء بالحفر اليدوي. وتتطلب هذه العملية دقة عالية وصبرًا كبيرًا، إذ قد تستغرق النقشة متوسطة الحجم يومًا أو يومين، بينما تحتاج الزخارف الأكثر تعقيدًا إلى وقت أطول.

تنوع الزخارف

تتنوع الزخارف الجبسية بين النقوش النباتية مثل الورود والأشكال الشجرية، والنقوش الهندسية المتناسقة كالأشكال الدائرية والمربعة ونقوش «السلسلة». كما تضم زخارف تقليدية معروفة مثل «أصابع العروس» و«الوردة المفككة»، التي تمنح المكان طابعًا تراثيًا مميزًا وتعكس الحس الفني للحرفي.

وشهدت المواد المستخدمة في النقش على الجبس تطورًا مع مرور الوقت؛ فقد كان الحرفيون قديمًا يستخدمون الجص التقليدي المعروف بمتانته وقدرته على التكيف مع الظروف البيئية وامتصاص الرطوبة، مما يحافظ على الزخارف لفترات طويلة. ومع ظهور الجبس الجاهز، أصبح العمل أسرع وأسهل، إلا أن بعض الحرفيين ما زالوا يفضلون الطرق التقليدية في الأعمال التراثية التي تتطلب جودة عالية.

قيمة فنية

يؤكد الحرفيون وجود فرق واضح بين النقش اليدوي والقوالب الجاهزة؛ فالنقش اليدوي يتيح تنفيذ تصاميم فريدة وغير مكررة، ويمنح الحرفي القدرة على التحكم في التفاصيل والمقاسات، بينما تكون القوالب الجاهزة محدودة التصميم وقابلة للتكرار. ولهذا يتمتع العمل اليدوي بقيمة فنية أعلى، رغم كلفته الكبيرة. وتختلف الأسعار بحسب حجم العمل، إذ تبدأ النماذج الصغيرة من نحو 30 ريالًا وقد تصل إلى 500 ريال أو أكثر في الأعمال الدقيقة.

العمارة القطرية

ورغم التطور العمراني، لا يزال النقش على الجبس حاضرًا في المنازل والمجالس وبعض الأسواق والمباني التراثية، حيث يحرص كثيرون على استخدامه للحفاظ على الطابع التقليدي. ويمكن مشاهدة هذه الزخارف في المباني التراثية والأسواق القديمة مثل سوق واقف والوكرة. يشدد الحرفيون على أهمية الحفاظ على هذه الحرفة ونقلها إلى الأجيال القادمة، باعتبارها جزءًا من التراث الثقافي الذي يعكس تاريخ المجتمع وهويته. ففن النقش على الجبس ليس مجرد مهنة، بل إنه إرث حضاري يجسد ذاكرة المكان، ويربط الحاضر بالماضي، ويمنح الأجيال معرفة أحد أبرز ملامح العمارة التقليدية في قطر.

اترك تعليقاً

إغلاق