مقالات وبحوث
الحوت البرتقالي وأرخبيل سفالبارد

بقلم: عبدالرحمن محمود المحمود
الحوت الأزرق ، أضخم كائن حي عاش – ولازال يعيش – على كوكب الأرض ، يتراوح وزنه مابين 100الى 200 طن ، يفتح فمه الواسع جداً، ويبتلع كمية كبيرة من المياه مع الكائنات الصغيرة، وأهمها نوع من القشريات يسمى “كريل”، ويبتلع ما مقداره من 3 إلى 4 أطنان من تلك القشريات يومياً خلال موسم التغذية.
على اليابسة يعيش اليوم حوت نادر هو “الحوت البرتقالي” ، حوت غامض! لا يُعرف له أصل! هل هو من الإنس؟ أو الجن ؟ أو كائن فضائي هبط في ليلة غاب عنها القمر ؟ ، هذا الحوت يزدرد بلدان بأكملها ، بشعوبها ، وثرواتها ، وحدودها ، وله شهية تتصاعد عند كل وجبة يلتهمها! ، وآخر ما وقع عليه بصره جزيرة “غرينلوند” التابعة للدنمارك!.
رئيس كرواتيا ” زوران ميلانوفيتش”، أراد أن يُبعد فك هذا الوحش المفترس البرتقالي عن غرونلاند – ربما لغرض في نفسه – واقترح عليه أن يُركّز على أرخبيل “سفالبارد” التابع للنرويج متسائلاً عما إذا كانت الإدارة الأمريكية تعرف مكان هذا الأرخبيل على الخريطة.
زرت في ديسمبر الماضي سفالبارد ، وعندي تحت الطبع كتاب عن ذلك الأرخبيل العجيب . سفالبارد لمن لا يعرفها هي أكثر المناطق الجغرافية المأهولة تطرفاً نحو شمال الكرة الأرضية، وتبعد عن القطب الشمالي حوالي 1300 كيلومتر ( على سبيل المثال من بيروت الى الرياض تقريباً).
* * *
سفالبارد أرخبيل مكون من أربع جزر رئيسية ، وأكثر من 100 جزيرة صخرية صغيرة متناثرة ، أما أكبر الجزر فهي ” سبيتسبيرغن ” ، وتقع فيها عاصمة الأرخبيل ” Longyearbyen “ ، وتبلغ مساحة الأرخبيل 61 ألف كيلومتر مربع تقريباً ، ومُعظم هذه المساحة مغطى بالجليد والثلوج على مدار العام ، ومتوسط درجة الحرارة في الصيف تتراوح ما بين 3 إلى 7 درجة مئوية، وكانت عند زيارتي لها من 14- إلى 21- تحت الصفر . ويبلغ عدد سكانها حوالي 2200 نسمة ، بينما يتراوح عدد الدببة من 3000 إلى 3500 , ورغم ذلك ففيها جامعة هي واحدة من أرقى جامعات النرويج وأكثرها تخصصاً.
أهم ما يطويه الأرخبيل تحت جليده ، ما يُعرف ب “سفينة نوح للبذور” ، مستودع بذور العالم تحسبا لأي جنون يُصيب أحد الحكام النوويين فجأة، فيحرق الأرض ومن عليها ، أو أية كوارث طبيعية ، فيلجأ المتضررون ومن سيبقى على قيد الحياة اليه. حيث يحوي هذا المستودع أكثر من 1.3 مليون عيّنة بذور تمثل أكثر من 6 آلاف نوع من محاصيل الغذاء حول العالم .
* * *
سفالبارد تخضع لمعاهدة ” Svalbard Treaty” ، وُقِعت في باريس في عام 1920 , ودخلت حيّز التنفيذ في عام 1925, وتقر المعاهدة بالسيادة الكاملة للنرويج على الأرخبيل، أما الدول التي وقعت على النسخة الأولى للاتفاقية فهي : النرويج ، والمملكة المتحدة ، وفرنسا ، وإيطاليا ، واليابان ، وهولندا ، وبلجيكا ، والدنمارك ، والسويد ، والولايات المتحدة الأمريكية ( وهنا مكمن الخطر!). ثم انضمت إلى المعاهدة 33 دولة ، منها المملكة العربية السعودية، ومصر . وتضمن المعاهدة حقوق متساوية للدول الموقعة عليها كحق الإقامة والعمل والصيد والتعدين وغير ذلك دون تمييز بين الجنسيات .
تنص المعاهدة وبشكل واضح وصريح على تحريم أية أنشطة عسكرية مهما كان نوعها ، أي أن الأرخبيل منطقة منزوعة السلاح ، ورغم أن المعاهدة تُعطي النرويج حق إدارة وحماية البيئة، إلا أنها لا تُبيح احتكار الموارد لصالح النرويج ( وهنا مكمن آخر للخطر ) .
من كتابي تحت الطبع ” الرقص مع أنوار الشمال الغامضة”